إمّا أنّه لم يصله.
وإمّا في طريقه من لا يأمنه ولا يثقه.
شرحه وعربيتّه (¬1):
قال الإمام الحافظ: يُرْوَى بكسر الهمزة وفتحها (¬2)، فإذا فُتِحَت كان جمع عُنُق، يريد: تطُول أعناقهم على الحقيقة، وأنّهم يزيدون (¬3) على الخَلْقِ بطُولِ الأعناق حتّى يظهر أمرهم وفَخْرهم، كما علوا عليهم في الدُّنيا في المنارات. أو يريد أنّهم آمِنون لا يخافون، فهم لا يتطأطئون ولا يستحذون (¬4)، وهو مجاز حَسَنٌ. وإن كَسَرَ الهمزة يريد به: العَنَق، ضرْبًا من السَّير، يعني: سرعتهم إلى الجنّة قبل غيرهم. وقيل "أطول النّاس أعناقًا" قيل: هم أعظم النّاس تَشوُّفًا إلى رحمة الله (¬5).
حديث يحيى عن مالكٌ (¬6)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - قال: "إذا نُودِيَ للصّلاة أَدْبَرَ الشّيطانُ، له ضُرَاطٌ، حتَّى لا يَسْمَعَ النِّدا" فإذا قُضِيَ النِّداءُ أقبلَ، حتّى إذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حتّى يَخْطِرَ بينَ المَرْءِ ونفسه ... " الحديث.
أصوله (¬7):
قال علماؤنا: هذا الحديث يحتمل الحقيقة والمجاز جميعًا. أمّا الحقيقة فليس يستحيل أنّ يكون للشّيطان حُصَاصٌ -وهو الضُّراط- لما بيَّنَّاه من قبلُ، وذكرنا أنَّه (¬8) جِسْمٌ من الاجسام مؤتلف من طعامٍ وشرابٍ، وفي بعض طُرُقِ الحديث: "إنَّ الشّيطان حسَّاسٌ" (¬9) أو"جَسّاس" أو"لحّاس" فلا يمتنَع أنّ يكون له حُصَاصٌ، لا سيّما وهو أذل له في الفرار وأبلغ لدخول الرُّعْبِ في قلبه، حتّى لا يملك نفسه من خوف ذِكْر الله.
¬__________
(¬1) جـ: " وغريبه".
(¬2) غ، جـ: "ونصبها" وانظر هذه الفقرة في العارضة: 2/ 8.
(¬3) في العارضة: "يبرزون".
(¬4) أي لا يطلبون من غيرهم عطاءً.
(¬5) حكاه المازري في المعلم: 1/ 260.
(¬6) في الموطَّأ (177).
(¬7) انظره في القبس: 1/ 195.
(¬8) في النسخ: "أنهم" والمثبت من القبس.
(¬9) أخرجه علي بن الجعد في مسنده (2838)، والترمذي (1859)، والحاكم: 4/ 119.