كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 2)

وفي الحديث "لا يَقُولنّ أحدكُم: أَخْزَى اللهُ الشيطان، فإنّه إذا سمع ذلك تعاظَمَ حتّى يصير كالجَبَلِ. وليَقُل أعوذُ بالله من الشيطان، فإنّه إذا سمع ذلك تَضَاءَلَ وتَصَاغَرَ" (¬1)، وهذا حديث صحيحٌ؛ لأنّ الله تعالى قال: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (¬2) فما أَثَّر ذلك فيه، فكيف يسأل عن اللّعنة من غير الله (¬3).
وأمّا المجاز في معنى الحديث فهو متَّسَعٌ، ويكون أيضًا استعارةً وعبارةً عن فراره ذَليلًا خَاسِئًا، كما يفرُّ العَيرُ الضّروط.
وقولُهُ: "حَتَّى يَخْطِرَ بين المرءِ وقَلْبِهِ، أَوْ قالَ: ونَفْسِهِ " يعني بذلك الوسوسة، وهذا أمرٌ مِنَ الله مكّنَ اللهُ منه الشّيطان في الإنسان، وجعل دَوَاءَهُ الاستعاذَة، فقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} الآية (¬4). وهذا ما لم تتمكّن الشّهوات في القلوب، ولم تختلج (¬5) المعاصي في النُّفوس، ولا ارتبطت العلائق بالهَوَى حتّى غلبت (¬6) النّفس، فليس دَوَاؤُها حينئذٍ الاستعاذة، وإنمّا تنفعُ فيها التّوبة، بحَذْفِ الشّهوات وقطع العلائق، والاستبصار بالحقائق.
مزيد إيضاح (¬7):
فإن قيل: فما معنى هروبه عند الأذان؟ ولا يهرب من (¬8) الصّلاة الّتي هي معظم الذِّكر لأنّ فيها قراءة القرآن؟
قلنا: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
الأوّل: إنمّا يَهْرُبُ ويَفِرُّ من اتِّفاق الكُلِّ على الإعلان بشهادة التَّوحيدِ، وإقامة الشّريعة، كما يفعلُ يوم عَرَفَة؛ لما يرى من الرَّحمةِ، فأصغر ما هو في ذلك اليوم.
¬__________
(¬1) عزاه المصنِّف في القبس إلى النّسائي، وهو -مع اختلاف في اللفظ- في الكبرى (1313) وعمل اليوم واليلة (555) كما أخرجه أبو يعلى في معجم شيوخه (71) والطحاويْ في شرح مشكل الآثار (368) والطبراني في الكبير (516) والحاكم: 2/ 292 كلهم من حديث أبي المليح.
(¬2) الحجر: 35.
(¬3) في القبس: "يسأل عن لعنة غير الله تعالى".
(¬4) الأعراف: 200.
(¬5) غ: "تختلف"، ب: "تختلف"، وفي القبس: "تَحْلَوْلِ".
(¬6) في القبس [1/ 180 ط. الأزهري]: "علّت".
(¬7) اعتمد المؤلِّف في هذا الإيضاح على شرح البخاريّ لابن بطّال: 2/ 234.
(¬8) ج: "عند".

الصفحة 329