كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 2)

التَّرجمةُ (¬1):
قال شيخُنا الإمام: إنمّا أدخله مالكٌ حُجَّةً في تعيِينِ الفاتحةِ في الصّلاةِ؛ لأنّ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قال لأبيٍّ بن كعبِ: "كيفَ تقرأُ إذا افتتحتَ الصّلاة؟ " فقال: الحمد لله ربّ العالمين، فعيَّنَها قولًا وفعلًا وبيانًا وتنبيهًا (¬2). وفيها أيضًا: الحُجَّة القاطعة في إسقاط بسم الله الرحمن الرّحيم، وأنهّا ليست بآية، لمَا أقَرَّهُ النَّبيّ -عليه السّلام- على ذلك.
وفيه نُكتَهٌ بديعة في إسقاط التعوُّذِ، خلافًا لمن يقول: يتعوَّذُ لأنّه يستغنِي عن الاستعاذة عند تكبيرة الإحرام؛ لأنّ الشيطان حينئذٍ يدبرُ عنه من أجل الإقامة ثمّ يرجع بعد ذلك.
وقوله (¬3): "باب ما جاء في أمِّ القرآن" فيه كلامٌ لأهل العربيّة.
العربية:
قوله: "أمِّ القرآن" فكلُّ شيءٍ يضمُّ إليه ما يليه فهو أمٌّ منه: امِّ الرّأس للدِّماغ، وأمُّ الطّريق (¬4) لوسطها، وأمُّ القُرَى هي مكّة، وأمّ الرُّمح أَعْلاَهُ؛ لانّه مقدّمه وما بعده مضموم إليه. وسُمَّيت أمّ القرآن لأنّه ليس فيها زائد على ما تَضَمَّنَه البيان لمُجْمَلِهَا (¬5).
الأصول (¬6):
أمّا قوله: "مَا أَنزلَ في التَّوْرَاة والأنْجِيلِ والقُرآنِ مثلَها" وذكر "الفُرْقَان" أيضًا وسكت عن سائر الكُتُب والزَّبُور والصُّحف؛ لأنّ هذه أفضلها، وإذا كان الشّيءُ أفضل الأفضل، كان أفضل الكلّ (¬7)، كقولك: زيدٌ أفضل العلماء، فهو أفضل النّاس. وفَضلُهَا يكون على غيرها بوجوهٍ:
الوجهُ الأوّل: أنّ الشَّيءَ قد يشرُفُ بذاته كشَرَفِ الله على مخلوقاته، وليس هذا
¬__________
(¬1) انظر الفقرة الأولى من هذه الترجمة في القبس: 1/ 229 - 230.
(¬2) م: "وتبيينًا".
(¬3) أي قول مالك في الموطَّأ: 1/ 134، الباب (48).
(¬4) كلمة في الأصول لم نستطع قراءتها، وهي أقرب ما تكون إلى: ما أثبتناه، وهو المعروف عند أهل اللُّغة، انظر المخصص لابن سيده: 13/ 185، والمحيط في اللُّغة لابن عبّاد: 10/ 459.
(¬5) توسع المؤلِّف في الكلام على هذه التسمية في معرفة قانون التّأويل: 16/ ب [نسخة الأوسكريال].
(¬6) انظر كلامه في الأصول في القبس: 1/ 230 - 134.
(¬7) في النسخ: "كان النّبيّ أفضل كان أفضل الكلام" وهو تضعيف، والمثبت من القبس.

الصفحة 368