كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 2)

لفاتحة الكتاب؛ لأنّ الذّاتيّة في الكُلِّ واحدةٌ وهي كلامُ الله (¬1).
الوجه الثّاني: أنّ الشيءَ قد يشرُفُ بصفاته، وذلك للبارىء على الحقيقة (¬2) والإطلاق دون سائر المخلوقات: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (¬3) وفي الفاتحة شيءٌ من هذا الشَّرَفِ، وبه شرف النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - على سائر الآدميِّينَ؛ لأنّ الذَّاتَ له ولهم واحدةٌ، وإنمّا يشرفُ بالصّفات وهي متعدّدةٌ وقعتِ الإشارةُ إلى فَضْلِهَا في قوله: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} الآية (¬4)، ووقعَ التّنبيه على جميعها في قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (¬5).
وفي الفاتحة من الصّفات ما ليس لغيرها، حتّى قيل: إنّ جميع القرآن فيها، وهي خمسة وعشرون (¬6) كلمة تضمَّنَت جميع علوم القرآن، ومن شَرَفِهَا أنّ الله تعالى قسمها بَينَهُ وبين عَبْدِهِ، وهو الوجه الثّالث.
الوجه الرّابع: أنّه لا تَصِحُّ القراءة (¬7) إلَّا بها.
الخامس: أنّه لا يلحق ثوابُ عملِ بثوابها (¬8)، والله عَزَّ وَجَلَّ يفاضلُ بين الثّواب في الفِعْلَينِ وإن اسْتَوَيَا.
وبهذه المعاني كلّها صارت القرآنَ العظيم، كما صارت {قُلْ هوَ اَلله أحدٌ} تعدل ثُلُث القرآن (¬9)، إذِ القرآنُ توحيدٌ وأحكامٌ وَوَعْظٌ و {قُلْ هوَ اَلله أحدٌ} (¬10) فيها التوحيد كلّه. وبهذه المعاني وقع البيان في قوله - صلّى الله عليه وسلم - لأبَّىِّ بن كعبٍ: " أيُّ آيةِ في القرآنِ
¬__________
(¬1) م: "في كلّ واحد في كلام الله"، غ: "في كلّ واحدةٍ وهي كلام الله"، جـ: (في كلّ واحد وهي كلام الله" والمثبت من القبس.
(¬2) م، جـ: "الخليقة".
(¬3) الشورى: 11.
(¬4) الكهف: 110.
(¬5) القلم:4.
(¬6) غ، جـ، القبس: "وهي عشرون" والمثبت من "م" وهو الموافق لأبي عمرو الداني في كتابه البيان في
عدِّ آي القرآن: 139، يقول رحمه الله: "وكَلِمُهَا خمس وعشرون كلمة ... وحروفها مئة وعشرون حرفًا".
(¬7) في النسخ: "القُرْبة" والمثبت من القبس، ومعرفة قانون التّأويل: لوحة 18/ أنسخة الأوسكريال.
(¬8) م، جـ: "أنّه لا يلحق عمل ثوابها" وفي القبس:"أنّه لا يلحق ثواب عملها بثوابها". والمثبت من القبس [ط. الأزهري].
(¬9) كما ثبت في الحديث الّذي رواه البخاريّ (5013)، ومسلم (811، 812) عن أبي الدرداء وأبي هريرة.
(¬10) الإخلاص: 1.

الصفحة 369