كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 3)

الكراهية، ولا يُوجِبُ التّحريم. ومن لفظ: {فَلْيُقَاتِلْهُ} يعرف التّحريم؛ لأنّ القتال لايكون إلَّا على الحرام. وإذا قلنا: إنّ اللَّعْنَ هو مراد قوله: " {فَلْيُقَاتِلْهُ} فاللَّعنُ لا يكون إلَّا لمن ارتكبَ محظورًا، وقد يكون معنى: {فَلْيُقَاتِلْهُ} الدَّفع، وقد يكون التوبيخ.
وقول كعب (¬1): "لكانَ أنّ يَخْسِفَ بِهِ" لا دليل فيه؛ لأنّه تابع. وأيضًا: فإنّما يخبر عن التّوراة، وقد قال -عليه السّلام-: "لا تُصَدِّقُوا أهلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ" (¬2).
المسألةُ الخامسة (¬3):
اختلف العلماء إذا جاز بين يَدَيْهِ ثمّ أدركه، هل يردّه أم لا؟ على ثلاثة أقوال: الأوّل: قال ابن مسعود: يردّه، ورُوِيَ ذلك عن سالم (¬4) والحسن البصريّ. القول الثّاني: قال الشّعبي: لا يردّه إذا جاز بين يَدَيْه؛ لأنّ ردَّهُ مرورٌ ثانٍ، ولا وجه له. وهذا قول مالك والثّوري وإسحاق.
المسألةُ السّادسة (¬5) - وهي مسألة أصولية-:
قوله (¬6): "فإنّما هو شَيْطَانٌ" اعلم أنّ الشَيطانَ ليس آدميًا, ولا الآدميّ شيطانًا، ولكنّه لمّا أراد أنّ يفعل فعل شيطان (¬7) في الشَّغْلِ عن الصّلاة وقطع المرء عن العبادة جعل له مَثلًا، فكان تقدير الكلام: فإنّما هو شيطان شَغْلًا عن الصّلاة وقَطْعًا. الّذي بَيَّنهُ ما رواه مسلم (¬8) عن ابن عمر في هذا الحديث بعينه، قال الّذي: "فإنْ أَبَى، فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرِين" إشارةَ بأنَّ صاحبَهُ من الشيطان هو الّذي قَادَهُ إلى القطع لصلاته. وقد ثبت عن النَّبيِّ -عليه السّلام- أنَّه قال: "مَا مِنكُمْ مِن أَحَدٍ إلا وَلَهُ شَيْطَانٌ" قيل له: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: "ولا أنا، إلَّا أَنَّ الله أَعَانَنِي عليه فأَسْلَمَ، فلا يَأمُرُنِي إِلَّا بِخَيرٍ" (¬9).
¬__________
(¬1) في الموطَّأ (423) رواية يحيى.
(¬2) أخرجه البخاريّ (7362) من حديث أبي هريرة.
(¬3) هذه المسألة مقتبسة من شرح ابن بطّال: 2/ 137.
(¬4) هو سالم بن عبد الله.
(¬5) انظرها في القبس: 1/ 342 - 343.
(¬6) في حديث الموطَّأ (421) رواية يحيى.
(¬7) في القبس: "الشيطان".
(¬8) في صحيحه (506).
(¬9) أخرجه مسلم (2814) من حديث عبد الله بن مسعود.

الصفحة 105