كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 3)

يرويه كما رواهُ يحيى. وهذه الرِّواية تشهد لمن قال إنه جائزٌ أنّ يصلَّى على غير الأنبياء.
ومن حُجَّةِ من يرى ذلك: قولُه (¬1) "اللهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتَهِ" ومعلومٌ أنّ أزواجَهُ وذُرِّيَّتَهُ غَيْرُه.
وفي الحديثِ أيضًا حُجَّة، قولُه: "اللهم صلِّ على آل أَبِي أَوْفَى" (¬2) وأمّا مذهب ابن عبّاس فإنه قال: لا يصلِّي أحدٌ إلَّا على النَّبِيِّ -عليه السّلام- (¬3).
وقال علماؤنا: لا حُجَّةَ فيمن تعلّق بحديث ابن أبي أَوْفَى؛ لأنّه كان مخصوصًا بالنَّبيِّ -عليه السّلام-، أُمِرَ أنّ يصلِّي على من جاء بصدَقَةٍ عِوَضًا له منها، فقيل له: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (¬4) وهذا معنى يختصّ به. وهذه مسألة اجتهادية قد بيَّنَّاها في موضعمها. والصحيحُ عندي؛ أنّ الصَّلاة مخصوصةٌ بالنّبىِّ - صلّى الله عليه وسلم -.
وأمّا (¬5) ما رُوِيَ عن ابنِ عمر (¬6)؛ أنَّه كان يصلِّي على النّبيِّ وعلى أبي بكرٍ وعمر؛ فإنّ معناه: يَدْعُو لأبي بَكْرٍ وعمرَ، كما رواهُ ابن القاسم، ولكنّه ألحق الثّاني في الأوّل لَفظًا، كما قال الشّاعر (¬7):
أعلفتها (¬8) تِبنًا وماءً بارِدًا
وكما قال الآخر (¬9):
ورَأيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمحًا
¬__________
(¬1) أي قوله - صلّى الله عليه وسلم - في حديث الموطّأ (456) رواية يحيى.
(¬2) أخرجه البخاريّ (1497)، ومسلم (1078) من حديث عبد الله بن أبي أَوْفَى.
(¬3) أخرجه- مع اختلاف في الألفاظ- عبد الرزّاق (3119)، وابن أبي شيبة (8716)، والطبراني في الكبير (11813)، وقال الهيثمي في "المجمع: 10/ 167 "رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصّحيح"، كما صحَّحَ إسناده ابن حجر في فتح الباري: 8/ 534.
(¬4) التوبة: 103.
(¬5) انظر الكلام التالي في القبس: 1/ 359 - 360.
(¬6) في الموطّأ (458) رواية يحيى.
(¬7) هو عبد الله بن الزِّبعرى في ديوانه: 32. ونسبه الفراء في معاني القرآن: 1/ 14 إلى بعض بني أسدّ.
(¬8) في الديوان: "علفتها".
(¬9) ورد البيت غير منسوب في تأويل مشكل القرآن: 214، وذكر شيخنا المحقق السَّيِّد أحمد صقر أنّ الأخفش نسبه في تعليقه على الكامل: 1/ 196 لعبد الله بن الزّبعرى، كما أورده صاحب مجاز القرآن: 2/ 68، والفراء في معاني القرآن: 3/ 123.

الصفحة 168