كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 3)

المسألة الخامسة (¬1):
قيل: إنّ الميت يحمل بين العمودين؛ لأنّ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - حمل جنازة سعد بين العَمُودَيْن. وقال أبو حنيفة: يحمل بين الأربع (¬2)؟ لأنّ ابنَ مسعود حملها كذلك. ولقد ماتَ العلّماءُ في بغداد فما حملهم إلَّا أصحابهم، ومات رجل من أصحابنا فما حمله أحدٌ إلَّا أنا والطّرطوشيّ، قاله ابن العربي (¬3).
المسألة السّادسة:
اختلفَ العلّماءُ في القيام للجِنَازة؟
فذهب قومٌ إلى أنَّ القيامَ لها منسوخٌ بقولِ عليّ: إنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلم - وفي قام ثمّ قعد (¬4)، ويقول علىّ: ما فَعَلَهُ إلَّا مرّة واحدة، مرّ برَجُلٍ من اليهود - وكانوا أهل كتاب- فلمّا نهي انتهى، فما عادَ إليها (¬5) - صلّى الله عليه وسلم -.
وقالت فرقةٌ من العلّماء: كلا القولين ثبتَ عنه - صلّى الله عليه وسلم -؛ لأنّه قامَ وقعدَ، ولم تثبت الرِّواية من قِبَلِ الإسناد؛ أنّ القعودَ كان بعد القيام، والناسِ في ذلك مخيَّرُون إنّ قاموا فهو أفضل، لقوله - صلّى الله عليه وسلم -: "المَوْتُ فَزع، فَإذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فقُومُوا" (¬6) وقال في حديث آخر: "إِنَّمَا يُقَامُ إِعْظامًا لِلذِي يَقْبِضُ النَّفُوسَ وَفَزَعًا لِلْمَوتِ" (¬7) وقال في حديث آخر: "إِنَّمَا قُمْنَا لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ" (¬8)، وَمنْ عَظَّمَ اللهَ فذَكَرَ الموتَ كان أفضل، ومن جلس فبغير حرج.
¬__________
(¬1) انظر الفقرة الأولى من هذه المسألة في العارضة: 4/ 262.
(¬2) انظر كتاب الأصل: 1/ 413، ومختصر اختلاف العلّماء: 1/ 403.
(¬3) لعلّ المقصود هو أبو محمّد بن العربي الأب.
(¬4) أخرجه مالكٌ في الموطّأ (626) رواية يحيى.
(¬5) جـ: "لها".
(¬6) أخرجه مسلم (960) من حميد جابر بن عبد الله.
(¬7) أخرجه أحمد: 2/ 168، وعبد بن حميد (340)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1/ 486، والحاكم: 1/ 509 (ط. عطا)، والبيهقي: 4/ 27 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(¬8) أخرجه الطيالسي (162)، وأحمد: 4/ 391، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1/ 489، والبيهقي: 4/ 27 من حديث أبي موسى الأشعري.

الصفحة 519