كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

والصّحيح أنّه لم يثبت ما نقله وهبٌ، وفائدة الخلاف في هذا الباب إنّما هو في مناكحتهم، وأمّا الجِزيَة فَنَرَى الأخذ منهم، وحكمهم في ذلك كحُكْمِ أهل الكتاب، لقوله: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" (¬1).
المسألة الثّانية:
قال الإمام: لا شكَّ أنّهم مشركون عندنا، واليهود والنّصارى عند أبي إسحاق الأشعريّ ليسوا بمُشْرِكِينَ، وإن كان قد قال الله تعالى فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} الآية، إلى قوله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} (¬2) فسمّاهم مشركين؛ لأنَّ اسمْ الشِّرك واقعٌ في العُرْفِ على غير اليهود والنَّصَارى، وأمّا اليهود والنَّصارى فلا خلافَ أنّهم أهل كتاب.
وأمّا غير (¬3) أهل الكتاب كالمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوْثَانِ، فلا خلافَ في جَوازِ إقرارهم على الجِزْيَةِ عَرَبًا كانوا أو عَجَمًا، والأصلُ في ذلك قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} (¬4).
المسألة الثّالثة (¬5):
وأمّا المجوس، فَيُسَنُّ بهم سُنَّة أهل الكتاب في أخذ الجِزْيَةِ، وبه قال أبو حنيفة، وهذا أحد قولي الشّافعيّ، وله قول آخر* أنّهم أهل كتاب، وفائدة القولين أننا إذا قلنا: إنّهم * (¬6) ليسوا أهل كتاب، فلا تحلّ مناكحتهم وأكل ذبائحهم. وإذا قلنا: إنّهم أهل كتاب، حلّت مناكحتهم وأكل ذبائحهم. وأنكر ذلك أصحاب (¬7) الشّافعيّ وقالوا: إنّ مذهب الشّافعيّ لا يجوز مناكحتهم ولا ذبائحهم بوجهٍ.
والدّليلُ على ما نقوله أنّهم ليسوا أهل كتاب: قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} (¬8).
¬__________
(¬1) أخرجه مالك في الموطّأ (756) رواية يحيى.
(¬2) التوبة: 31.
(¬3) من هنا إلى آخر المسألة مقتبس من المنتقى: 2/ 172.
(¬4) التوبة: 29.
(¬5) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 172 - 173.
(¬6) ما بين النجمتين ساقط من النّسختين، واستدركناه من المنتقى، حتّى يلتئم الكلام.
(¬7) في المنتقى: "أكثر أصحاب".
(¬8) الأنعام: 156.

الصفحة 116