كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

الشهادة من باب الإخبار.
والرُّؤْيَةُ إذا كانت فَاشِيَةً صيم بغير خلاف، وإن كان الغيم قبل فيه الشهادة (¬1) بغير خلاف، وإن كان الصّحو والنّظر عسير؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشّافعيّ: لا يقبل الواحد، وقبِلَهُ أبو ثَوْر.
وأمّا الصّوم، فاتَّفَقَ هؤلاء على قَبُولِ الواحدِ فيه، إلّا مالكًا خاصّة فإنّه رَدَّه (¬2)، وأجاز أبو حنيفة فيه شهادة الواحد والمرأة والعبد (¬3).
وسبب الخلاف فيه، هل هذا من باب الإخبار، أو من باب الشّهادة؟ وما كان (¬4) طريقه السّماع يُقْبَل فيه الواحد، كالخَبَر عن النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - أنَّه حَكَمَ بحُكْمٍ من الأحكام، وما كان يختصّ به بعض الأشخاص كالقول: هذا عبد هذا، وشبه ذلك، فيقبل (¬5) فيه اثنان.
مزبد بيان:
قال الإمام: والطّريق الثّاني لا يخلو أنّ تكون السّماء مغيمة أو مصحية، فأيّهما كان فلا يقبل فيهما إلَّا شاهدان، وبه قال الشّافعيّ في الفِطْر، وخالف في الصّوم.
ودليلنا: أنّه أحد طرفَي الشّهر، فافتقر إلى شاهِدَيْن كالطَّرف الثّاني.
وأمّا قول أبي ثَوْر: يفطر ويصام بشاهد واحدٍ لأنّه من باب الخبر.
قلنا: إنّ هذه شهادة تفتقرُ إلى العدد كسائر الشّهادات.
فإن كانت السّماء مصحية؟ فمَالِك وجمهور أصحابه والشّافعيّ على قَبُولِ عَدْلَيْنِ.
فأمّا العامّة (¬6)، فهو أنّ يرى الهلال الجمّ الغفير والعدد الكثير- كما تقدّم- حتّى يقع بذلك العلّم الضّروريّ، فهذا لا خلاف في وجوب الصّوم لمن رآه ولمن لم يره، فهذا يخوج عن حكم الشّهادة إلى حُكم الخبر المستفيض، وذلك مثل أنّ تكون القرية
¬__________
(¬1) أي شهادة رجلين عدلين.
(¬2) انظر التفريع لابن الجلّاب: 1/ 301، والإشراف 1/ 196 (ط. تونس).
(¬3) انظر مختصر اختلاف العلّماء: 2/ 7.
(¬4) جـ: "وهذا".
(¬5) غ: "فيطلب".
(¬6) أي الرؤية العامّة، ومن هنا إلى آخر المسألة مقتبس من المنتقى: 2/ 36.

الصفحة 153