كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

وفي الصّحيح؛ قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ" ثمّ قال: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاَثين" قال علماؤنا: معناه أنّ الشّهر مقطوع بأنّه لا بدّ أنّ يكون تسعًا وعشرين بأنْ ظهر الهلال، وإلّا طلب أصل العدد الّذي هو ثلاثون يومًا، وهو نهاية عدده.
قال الإمام: فإن غمّ الهلال، عمل على تقديره بالحساب، فإذا قال الحاسب: هو اللّيلة على درجة من الشّمس يمكن أنّ يظهر فيها لو لم يكن غيم، فإنّه يعمل به على قوله في الصّوم والفِطْر، لقوله: "فَاقْدُرُوا لَهُ" يريد فاحسبوا له تقدير المنازل الّتي أخبر الله عنها بقوله: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} الآية (¬1).
تنبيه على وَهَمٍ:
وقد سقط بعض المتأخرين من الرّاحلين (¬2) هاهنا سقطة كبيرة، فنسب هذا القول لبعض الشّافعيّة، وما قال بهذا القول أحدٌ غير واحد من التّابعين.
إنصاف (¬3):
قال الإمام: وقد كنت رأيت للقاضي أبي الوليد الباجي (¬4) بأنّ بعض (¬5) الشّافعية يَقُول: إنّه يرجع في استهلال الهلال إلى الحساب وإلى حساب المنجِّمين، فأنكرت ذلك عليه، حتّى أخبرني فخر الإسلام أبو بكرٍ الشّاشي (¬6) وأبو منصور محمّد بن الصّبّاغ (¬7) حديثًا بمدينة السّلام (¬8)، عند الإمام أبي نصر ابن الصّبّاغ (¬9) بباب حرب
¬__________
(¬1) يس: 39.
(¬2) المقصود هو الإمام الباجي في المنتقى: 2/ 38.
(¬3) انظره في العارضة: 3/ 206 - 210، والقبس: 2/ 483 - 484، وقد صرح المؤلِّف باسمه في العارضة: 3/ 206.
(¬4) في المنتقى: 2/ 38 وعبارته: "لا نعلم أحدًا قال به إلَّا بعض أصحاب الشّافعيّ أنّه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليه".
(¬5) "بعض" زيادة من العارضة.
(¬6) هو الإمام الجليل محمّد بن أحمد، كان حافظًا لمسائل المذهب الشّافعيّ وشوارده، تفقّه على كبار علماء المذهب (ت: 507) انظر تبيين كذب المفتري: 306، وطبقات الشّافعيّة: 6/ 70.
(¬7) كذا بالنسختين والعارضة، والصواب: أبو منصور أحمد بن محمّد، وهو ابن أخي الشّيخ أبي نصر وزوج ابنته (ت: 494). انظر طبقات الشّافعيّة الكبرى: 4/ 85.
(¬8) في هامش جـ: "حتّى تذكرت أنّ فخر الإسلام أبا بكر الشاشي حدّثنا بمدينة السّلام عند الشّيخ الإمام أبي نصر ... ".
(¬9) هو الإمام عبد السيِّد بن محمّد بن عبد الواحد، صاحب كتاب الشامل (ت: 477)، انظر طبقات =

الصفحة 158