كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

الاحتمال في الحديث الثّاني فقال: "وَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" فكان تفسير التّقْدِير.
وأمّا الثّاني: فلا يجوز أنّ يُعَوَّلَ في ذلك على قول الحساب، لا لأنّه باطلٌ، ولكنّه صيانة لعقائد النّاس من الارتباط بالعُلْويّات (¬1) وأنْ تعلق عباداتها بتداوير الأفلاك ومواقعها في الاجتماع والاستقبال، وذلك بحر عَجَّاجٌ إنْ دخلوا فيه غَرِقُوا، والنّجاة في قوله: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسبُ ... " الحديث. فإذا كان النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - ينفي عن نفسه تصريف الأنامل المعتادة عند أهل الحساب، فأَوْلَى وأَحْرَى أنّ ينفي عن نفسه تصريف الكواكب وتَعْدِيلَهَا (¬2).
قال الإمام: فإذا انتهى القول هاهنا، فإنّ العلّماء اتّفَقُوا على أنّ قول المؤذِّن الواحدِ مقبولٌ في الوقتِ للصّلاة، وفي الفِطْر والإمساك للصّوم، قال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابْن أُمِّ مَكْتُومٍ ... " الحديث (¬3). فإذا كان هذا هكذا، فإنّه قد اختلفوا في لزوم الصّوم لرمضان والخروج عنه على أربعة أقوال:
القول الأوّل: إنّه لا يصام ولا يفطر إلَّا بشاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ غير مستورين (¬4)، قاله مالكٌ، وإسحاق، واحد قولي الشّافعيّ، وجماعة كثيرة.
الثّاني: قال الشّافعي: يُصامُ بشاهدٍ واحدٍ، ولا يفطر إلَّا بشاهِدَيْن رَجُلَيْن عَدْلَيْن.
الثّالث: يصام ويفطر بشاهدٍ واحدٍ، قاله أبو ثَوْر.
الرّابع: إنْ كانت السّماء مغيمة (¬5)، لم يقبل في الهلال شاهدان (¬6) -وبه قال سحنون- حتّى يكون الخبر مستفيضًا.
ومدارُ المسألة من طريق الأثر على حديث (¬7) ابن عبّاس دون غيره، قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ ألَّا إِلَهَ إلَّا الله، أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ يَا بِلاَل، أَذِّنْ في النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا
¬__________
(¬1) في القبس: "النّاس أنّ تُنَاطَ بالعلّويات".
(¬2) يقول القاضي عبد الوهّاب في الإشراف: 1/ 195 (ط. تونس) "ولا يعتبر بقول المنجمين في دخول وقت الصوم خلافًا لمن ذهب إلى ذلك".
(¬3) أخرجه البخاريّ (622)، ومسلم (1092) من حديث ابن عمر.
(¬4) غ: "مسترقين".
(¬5) في العارضة: "مصحية".
(¬6) في العارضة: "إلَّا شاهدان".
(¬7) "الأثر على حديث" زيادة من العارضة.

الصفحة 160