كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

والدليل على ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (¬1) وهذا يقتضي الإمساك إلى أوّل جزء من اللّيل، غير أنّه لا بدّ من إمساك جزء من اللّيل ليتيقّن صيام جميع أجزاء النّهار.
المسألة الثّانية (¬2):
قال علماؤنا (¬3): فبماذا يعتبر في ذلك، المفرد أو من كان في مكان ليس فيه أحد ممّن يؤذِّن؟ فإنّه إذا رأى الشّمس قد غربت أفطر.
ودليلنا: الحديثُ الصّحيح من قوله: "إذا أقبلَ الليلُ (¬4) وأدبر النّهار وغابت الشّمس أفطر الصائم" (¬5) فالمراد به قد صار مُفْطِرًا، فيكون ذلك دلالة على أنّ زمان اللّيل يستحيل الصّوم فيه شرعًا.
وقد قال بعض العلّماء: إنّ الامساك بعد الغروب لا يجوز، وهو كإمساك يوم الفِطْر ويوم النَّحْر عن الأكلِ. وشذَّ بعضهم وقال: إنّ ذلك جائز وله أجرُ الصائم، واحتجَّ هؤلاء بالأحاديث الواردة في الوِصَال.
وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوِصَالِ إلى السَّحَرِ، والصَّحيحُ ما تقدَّمَ.
المسألة الثّالثة (¬6):
وأمّا الأعمى، فإنّه يَعْتَبِرُ في ذلك بقول من يثقه ويعلم به، وأمّا البَصِير الّذي في الحَضَرِ فيه المؤذِّنون، فقد رَوَى ابنُ نافع عن مالك؛ أنّه لا يأكل عند أذانهم للفَجْر (¬7) وإن رأى هو الفجر لم يطلع، ولا يفطر حتّى يؤذِّنوا وإن رأى هو الشّمس قد غربت، لأنّهم موكَّلون بذلك رعاته (¬8)، وقد روى عيسى عن ابن القاسم؛ أنّه يأكل ويشرب
¬__________
(¬1) البقرة: 187.
(¬2) الفقرة الأولى من هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 42.
(¬3) المقصود هو الإمام الباجي.
(¬4) جـ: "من هاهنا" وهي رواية البخاريّ.
(¬5) أخرجه البخاريّ (1954)، ومسلم (1100) من حديث عمر.
(¬6) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 42.
(¬7) في المنتقى: "لا يأكل إذا كان أذانهم عند الفجر".
(¬8) غ، جـ: "رعاة" والمثبت من المنتقى.

الصفحة 173