كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

والثّاني: أنّ منِ افتتحَ صلاةً (¬1) في سفينةٍ حَضَرِيَّة (¬2)، ثمّ انبعثت به السَّفينة في أثناء الصّلاة فتوجهت إلى السَّفَر؛ أنّه يتمّ صلاةً حضريَّةً.
الفقه في ستّ مسائل:
المسألة الأولى (¬3):
اختلف النّاس في الصّوم في السَّفَرِ على ثلاثة أقوال:
الأوّل - قال الشّافعيُّ (¬4): الفِطْرُ أفضل في السَّفَر.
الثّاني - قال مالك: الصَّومُ أفضل إِلَّا عند لقاء العدوِّ، ولا خلاف فيه بينهم.
الثّالث: يُحْكَى عن قومٍ من الظّاهريّة الّذين (¬5) لا تقوم بهم حُجَّة، أنّهم قالوا: الصَّوْمُ في السَّفَر لا يجوزُ (¬6)، وأنّ من صام لا يجزئه، وهم أقلّ خلفًا، وقولهم أعظم خَرْقَا في الدِّين وفَتْقًا، وقد قال تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} الآية (¬7)، وهذا نصٌّ.
فإن قيل: فقد قال تعالى بعد ذلك: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬8) فأوجب العدَّةَ على المُسَافِرِ مُطْلَقًا من غير اعتبار فِطْر أو صومٍ، وقال - صلّى الله عليه وسلم - في قوم صاموا في السَّفَر: "أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ" (¬9) وقال أيضًا: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" (¬10) أو: "في صِيَامِ (¬11) رَمَضَانَ".
فالجواب- أنّا نقول: قولُه تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} جملة هي أحد قسمين (¬12):
¬__________
(¬1) غ: "الصّلاة".
(¬2) غ: "حضرته".
(¬3) انظرها في القبس: 2/ 492 - 494.
(¬4) في الأم: 4/ 369.
(¬5) غ، جـ: "الّذي" ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
(¬6) انظر المحلَّى لابن حزم: 6/ 247.
(¬7) البقرة: 184، وانظر أحكام القرآن: 1/ 80.
(¬8) البقرة: 185.
(¬9) أخرجه مسلم (1114) من حديث جابر.
(¬10) أخرجه البخاريّ (1946)، ومسلم (1115) من حديث جابر بن عبد الله.
(¬11) جـ:"صوم".
(¬12) جـ: "الكلام فيه في أحد قسمين".

الصفحة 186