فإن قيل: فإنْ تعارضتِ الأحاديث فما الحُكْمُ فيها؟
قلنا: لو علمنا (¬1) التّواريخ لحَكَمْنَا بالآخِرِ منها على الأوَّلِ، فإذا جُهِلَتِ التّواريخُ، فاختلفَ النّاس فيه على ثلاثة أقوال:
الأوّل - منهم من قال: يؤخذُ بالأشدِّ منها؛ لأنّه الأحوط والَّذي يُحْتَاطُ له ولهم (¬2).
الثّاني - منهم من قال: يؤخذ بالأَخَفّ؛ لأنّ الله تعالى قد رفعَ الحرجَ وبعثَ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَة.
الثّالث - منهم من قال: تسقط ويطلب دليلٌ آخر، فإن أَمْكَنَ التَّرجيح فيجب العمل به.
وهاهنا تترجح أحاديث الجواز على أحاديث المنع؛ لأنّ هذا الّذي قال النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم -: "أُولئِكَ الْعُصَاةُ" و"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" إنّما كان في سَفْرَةٍ واحدةٍ، وهذا الّذي لأنس (¬3) بن مالك الأنصاري، ولحمزة بن عمرو الأَسْلَميّ ولأنس ابن مالكٌ الكَعْبِيّ وقد قيل له: "إدْنُ فَكُلْ"، قال: إنِّي صائم، قال له رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ" (¬4) كان في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وأيضًا: فإنّ النّبي - صلّى الله عليه وسلم - إنّما قال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ" حين رأى رَجُلًا قد ظُلِّلَ عليه من شِدَّة الحَرِّ، فسأل عنه، فقيل: إنّه صائمٌ، فقال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ"، وقد رُوِي عنه أنّه قال: "لَيْسَ مِنْ أم بِرٍّ أم صوم فِي أم سَفَرٍ" (¬5) وهي لُغَةٌ للمَقُولِ له قالها النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - قَصْدَ الإفْهَامِ.
وقولُ النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" قالها في قومٍ صاموا بعدَ فِطْرِ النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - وَأَمْرِهِ بِالْفِطْرِ.
وقال: "تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ" وكذلك قال علماؤنا (¬6): إنّ الفطر في الجهاد أفضل لما
¬__________
(¬1) جـ، القبس: "علم".
(¬2) "ولهم" ساقطة من القبس.
(¬3) غ، جـ: "الّذي قال أنس" والمثبت من القبس.
(¬4) أخرجه أحمد: 4/ 347، وعبد بن حميد (431)، وأبو داود (2408)، وابن ماجه (1667)، والتّرمذيّ (715).
(¬5) أخرجها أحمد: 5/ 434. وللمؤلِّف جزء حديثي في هذه الرِّواية، يوجد مخطوطًا بالمكتبة الوطنية بمدريد بإسبانيا.
(¬6) المقصود هاهنا هو الإمام الباجي في المنتقى: 2/ 49 وقد تصرف المؤلِّف في عبارة الباجي.