كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

ويحتمل أنّ تكون "لا" بمعنى "لم" كقولى تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} (¬1) وأمّا الأبد المذكور هاهنا فقد قيل: مَحْمَلُه على أنَّه يُدْخِل في صومها الأيام المنهيّ عن صومها، كالعيدين وأيّام التشريق، وهو الصّحيح. وكذلك قال علماؤنا: إنّما ذلك لمن صام فيه (¬2) الأيّام المنهيّ عنها. وأمّا مَنْ كان فيه رجاء لقوّة ويستوكف منه المنفعة، ففِطْره أفضل من صومه وفي مثله يقال: "لا صام من صام الأبد"؛ لأنّه يهدم الأَعْلَى بالأَدْنَى، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله: "صوم أخي داود، فكان يصوم يومًا ويفطر يومًا" (¬3).
وكذلك قال لعبد الله بن عمرو بن العاصي: "صُمْ يومًا وأفطر يومًا" فقال: إنِّي أطيق أفضل من ذلك.
فقال: "لا أفضل من ذلك، ولا صامَ من صامَ الأَبَد" قالها ثلاثًا (¬4).
فرع غريب (¬5):
وقد اتَّفَقَ العلّماءُ على أنَّ من نَذَرَ صومَ الدَّهْرِ فإنّه يلزمه، ويتركَّب على هذا فرع غريب أيضًا: وهذا إذا أَفْطَرَ بعد ذلك فيه متعمِّدًا، فقال كافّة النَّاسِ: يستغفر الله ولا شيءَ عليه.
وقال ابنُ نافع وعبد الملك: عليه الكفَّارة عِوَضًا عنه (¬6)، وهذا ضعيفٌ؛ لأنّه (¬7) ليس فيه خَبَرٌ ولا لَهُ نَظير في نَظَرٍ.
المسألة الثّالثة عشرة:
قوله (¬8): "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتّ من شَوَّالٍ، كانَ كصيامِ الدَّهْرِ" قال الإمام: ومعنى ذلك؛ أَنَّ الحسنةَ لمّا كانت بعشر أمثالها، كان مبلغ مَا لَهُ من الحَسَنات في صومِ الشَّهر والسِّتةِ أيّام ثلاث مئة وستّون حَسَنَة، عدد أيّام السَّنَة، وكأنَّه صام سَنَة
¬__________
(¬1) القيامة: 31.
(¬2) جـ: "فيها".
(¬3) أخرجه البخاريّ (1979)، ومسلم (1131) من حديث عبد الله بن عمرو.
(¬4) أخرجه البخاريّ (1976)، ومسلم (1159).
(¬5) انظره في القبس: 2/ 514 - 515.
(¬6) غ، جـ: "منه" والمثبت من القبس (2/ 157 ط. الأزهري).
(¬7) غ، جـ: "لأن" والمثبت من القبس.
(¬8) في حديث مسلم (1164) عن أبي أيوب الأنصاريّ.

الصفحة 213