كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

غيره، ومن زعم أنّ رمضان في الاسترسال على المعاصي وغيره سواء فلا تُكلِّموه، فقد سقطت مُخَاطَبَتُه، بل تقلّ المعاصي ويبقى منها ما بقي (¬1)، وذلك لثلاثة أوجه:
أحدها أنّ يكون المعنى صُفِّدت وسُلْسِلَت (¬2)، ويبقى ما ليس بمَارِدٍ ولا عفريتٍ، ويدلُّ على ذلك الحديثُ الآخر.
الوجه الثّاني: أنّ يكون المعنى أنّها بعد تَصْفِيدِهَا كلِّها وسلسلتها، تحمل المرء على المعاصي بالوسوسة، فإنّه ليس من شرط الوسوسة الّتي يجدها المُؤْمِن نفسه من الشّيطان الاتِّصال، بل هي بالعبد (¬3) صحيحة؛ فإنّ الله هو الّذي يخلُقها في قَلْبِ العبدِ عند تكلُّم الشيطان بها، كما يخلق في جسم المسحور عند تكلّم الساحر، وعند تكلُّم العائن في جسم المُعَيَّن.
الوجه الثّالث - قلنا: ليس من شرط التَّصْفِيدِ عدم الوسوسة؛ لأنّ الوسوسة لا تكون باليَدِ والرِّجْل.
فإن قيل: إذا كان هذا تأويله (¬4)، فلم يبق للحديث معنى.
قُلْنَا: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنّه ليس يلزمنا معرفة معنى الحديث، ولا أنّ نُعلِّل جميع الأشياء، فإنّ أكثر الأحاديث غير معلولة (¬5) المعنى.
الجواب الثّاني - أنّ نقول: فائدة الحديث أنّهم منعوا الإذاية بأيديهم وأرجلهم من العمل والجنون والحُمْق وغير هذا، وهذا كتاب مقنع جدًّا، إنّ شاء الله.
الفائدةُ السابعة (¬6):
قوله: "ويُنَادِي مُنَادٍ" هذا المُنَادي غير مسموع للآدميِّينَ، ولكنّهم أُخْبِرُوا بذلك ليَعْلَمُوا أنّهم غير مغفولٍ عنهم ولا مَهْمُولينَ (¬7)، فإنّ البارئ سبحانه لا تجوز عليه
¬__________
(¬1) جـ: "يبقى".
(¬2) زاد في العارضة: "المردة".
(¬3) في العارضة: "من البد".
(¬4) غ: "ذكره".
(¬5) أي معلّله.
(¬6) انظرها في عارضة الأحوذي: 3/ 199.
(¬7) في العارضة: "مهملين".

الصفحة 248