كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

وقد روي أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -: "اعتكفَ العَشْرَ الوُسُطَ" (¬1) هكذا وَقَعَ مُقَيَّدًا، بضَمِّ الواو والسِّين.
ويحتمل أنّ يكون جمع واسط، كما قيل: واسطة الرَّجل، وواسطة العراف.
قال الإمام: ولم أزل أبحث عنه حتّى أنِّي لم أجد له معنى ولا أثر إِلَّا عند أحد أشياخي -وكان من أهل اللُّغة- فإنّه قال: "وُسُط" جمع أوسط، واحده وسيط.
ويروى "الوَسَط" بفتح الواو والسِّين، وهي رواية أبي علىّ الجيَّانىّ، وهو وسيطي (¬2).
والأولُ أصحّ وأفصح.
حديث: قول عائشة - رضي الله عنها -: كان رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - يُدْنِي إِلَيَّ رَأسهُ مِنَ المسجد (¬3) فَأُرُجِّلُه (¬4).
قد بيَّنَّا أنّ الاعتكافَ هو الثُّبوت وهو الإقامة، وأدخل مالك - رحمه الله - في أوّل الباب ما يدلُّ على أنّ الاعتكاف هو الثّبوت في حديث عائشة هذا، ويبيّنُه بذلك قولها: "كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يُدنِي إِلَيَّ رَأْسهُ فَاُرَجلُهُ، وإنَما كان يمنعه الثبوت في مكانه، ونبه بذلك بقولها: "ولا يدخلُ البيتَ إِلَّا لحاجةِ الإنسانِ" وذلك لشغله بالاعتكاف، هذا معنى التّرجمة.
الإسناد:
حديث عائشة اختلفَ فيه الرُّواةُ، فتارةً رُوي فيه: عن عمرة بنت عبد الرّحمن، وتارة بسقوطها، فلمّا رأينا اختلافهم مع حفظهم، علمنا أنَّه إنّما تركوها مع علمهم بذلك، وهذا جائزٌ فإن عروة كثيرًا ما يروي عن خالته عائشة دون واسطة (¬5).
الفقه:
وفي هذا الحديث ثلاث مسِائل:
¬__________
(¬1) أخرجه مالك في الموطَّأ (890) رواية يحيى.
(¬2) انظر مشارق الأنوار: 2/ 295، والاقتضاب لليفرني: 1/ 350.
(¬3) "من المسجد" غير ثابتة في الموطَّأ، وهي رواية البخاريّ (2029)، ومسلم (297).
(¬4) أخرجه مالك في الموطَّأ (866) رواية يحيي.
(¬5) انظر شرح البخاريّ لابن بطّال: 4/ 164 - 165.

الصفحة 256