فإن "قيل: فإذا منع النّكاح الاعتكاف، فمنع مقدَّماته من العقد كالصَّوْمِ، والدّليل جواز نكاح المعتكف (¬1).
فنقول: العبادات (¬2) على ضربين:
فما جاز الكلام فيه جاز فيه النِّكاح إِلَّا الحجّ عندنا.
وما لم يجز فيه الكلام لم يجز فيه النِّكاح.
وحجَّتُنا الحديث مبين الّذي فيه (¬3): "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ" (¬4) وضَعَّفَه البخاريّ.
واحتجَّ البخاريّ (¬5) بحديث: سعيد بن المسيَّب، عن ابن عبّاس؛ أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - تزَوَّجَ ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ، وترك (¬6) البخاريُّ طرقًا كثيرة في هذا الحديث (¬7)؛ لأنّه رواهُ من الصّحابة عشرة، ومن التّابعين كثيرٌ، وأخذ بحديث سعيد رَدًّا على مالك؛ لأنّ سعيدًا كان مَدَنِيًا، وهذا الحديث لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ سعيد بن المسيَّب أَنكرَهُ، وقال: لم أرو (¬8) هذا الحديث قَطّ. ذكر ذلك في "سنن أبي داود" (¬9).
ولم يبقَ لأبي حنيفة حُجَّة إلّا من جهة المعنى، وأمّا القياس، فإن كثير العمل ممنوعٌ في الاعتكاف.
وقال (¬10) ابنُ الجلّاب (¬11): "ولا بأس أنّ يكتب المعتكف في المسجد ويقرأ
¬__________
=والعمرة أنّه لا خلاف أنّ الحجّ يمنع دواعي النِّكاح من التطيُّب، فمنع من مقدماته، والاعتكاف لا يمنع دواعي النِّكاح من التطيُّب فلم يمنع مقدماته من العقد كالصوم".
(¬1) كذا والعبارة مضطربة، وانظر تعليقنا السابق.
(¬2) جـ:"الحديث".
(¬3) غ: "وحجتنا حديث سبقه".
(¬4) أخرجه مسلم (1409) من حديث عثمان.
(¬5) في صحيحه (1837).
(¬6) جـ: "وأورد".
(¬7) انظر الأحاديث (4258، 4259، 5114) من صحيح البخاريّ.
(¬8) جـ: "لم نرو".
(¬9) الّذي في سنن أبي داود (1845) عن سعيد بن المسيَّب أنّه قال: وهم ابن عبّاس في تزويج ميمونة وهو محرم.
(¬10) من هنا إلى آخر المسألة مقتبس من المنتقى: 2/ 86.
(¬11) في التفريع: 1/ 314.