كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

المقدِّمة الثّانية في وجوبه
وهو فرضٌ من فرائض الإسلام، وركن من أركانِه، قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (¬1).
وفرضه مرّة في العمر، وقد قال بعضُ النّاس - فيما أَمْلَى علينا الشّيخ الإمام أبو الحسن العبدري (¬2) - قال بعض النّاس: يجبُ في كلِّ خمسة أعوامِ مرَّة، ورَوَى في ذلك حديثًا أَسْنَدَهُ إلى النّبي - صلّى الله عليه وسلم - (¬3)، والحديث باطلٌ والإجماع صادٌّ في وجهه (¬4)، وليس يجب غير مرَّة واحدة في العمر، وبه قال جماعة العلّماء.
وقالت جماعة منهم الشّافعيّ: إنّ العمرة واجبةٌ كوُجوبِ الحَجّ، واستدلَّ عليه قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (¬5) ورُوِيَ في حديث جبريل -عليه السّلام-؛ أنّه قال: ما الإسلام؟ قال: "أنّ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ وتعتمر، وتغتسل من الجنابة" (¬6). والصّحيح ما قلناه من الأَثَر والنَّظَرِ.
أمّا الأثر، فقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (¬7) ولم يذكر العمرة، وقال النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسلامُ " على خمسٍ (¬8) فذَكَرَ الحجّ خاصّة.
وقال النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - للأعرابى: "وحج البيت" قال: هل علي غيره؛ قال: "لا" (¬9)، ولأنّ البيت سبب من أسباب العبادة، فلا يتعلَّق به وجوب شيء، كالزَّوالِ والغروب.
وأمّا قولى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (¬10)، فليس يقتضي لُزوم الفعل ابتداءً، وإنّما
¬__________
(¬1) آل عمران: 97، وانظر القبس: 2/ 539 - 542.
(¬2) من شيوخ المؤلِّف (ت.535).
(¬3) أخرجه عبد الرزّاق (8826)، وأبو يعلى (1031) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.
(¬4) في القبس: "وجوههم".
(¬5) البقرة: 196. يقول الشّافعيّ في الأمّ: 3/ 326 [ط. رفعت فوزي] "والذي هو أشبه بظاهر القرآن ... أنّ تكون العمرة واجبة، فإن الله عَزَّ وَجَلَّ قرنها مع الحج".
(¬6) أخرجه الدارقطني: 2/ 282 من حديث عمر.
(¬7) آل عمران:97.
(¬8) أخرجه البخاريّ (8)؛ ومسلم (16) من حديث ابن عمر.
(¬9) أخرجه البخاريّ (46)، ومسلم (11) من حديث طلحة بن عبيد الله.
(¬10) البقرة: 196.

الصفحة 272