كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

وأمّا "الوقوف بعرفة"، فهو الحجّ، وفي الحديث الصّحيح: "الحَجُّ عَرَفَة" (¬1) يعني معظم (¬2) الحجِّ ومقصوده.
بَيْدَ أنّ العلّماء بعد اتِّفاقهم على أنَّ عرفة رُكْنُ الحجِّ، اختلفوا في وقت الوقوف فيه.
فقالت جماعة: باللَّيل، منهم مالك.
وقالت جماعة: فرض الوقوف بالنّهار، منهم الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقالت طائفة: الوقوف لَيْلًا ونَهَارًا. واحتجوا في ذلك بأحاديث.
وأمّا "السّعي" فاختلفَ العلّماءُ فيه قديمًا وحديثًا.
فقال أبو حنيفة: يجزئ فيه الدَّم (¬3)، ووقعت رواية عن مالكٌ في "العُتْبيَّة" وهي ساقِطَةٌ.
والسَّعْيُ رُكن عظيمٌ، وله في الحجِّ منزلة كريمة. والدّليلُ على ركنية: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (¬4) الآية إلى آخرها، أنزلها اللهُ تعالى رَدًّا على من كان يمتنع (¬5) من السَّعيِ.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (¬6) قلنا: لم يفهم هذه المسألة أحدٌ غير (¬7) عائشة - رضي الله عنها - وكلامها معروفٌ في الحديث.
تفسيره:
أنَّه إذا قال الرَّجُل للآخر: لا جناح عليك أنّ تفعل كذا، فمقتضاه رفع الحَرَج في الفعل، ولم يكن في الشّريعة حرج في الطَّوَافِ بين الصَّفَا والمَرْوَة. وكيف يكون
¬__________
(¬1) أخرجه الطيالسي (1309)، والحميدي (899)، وأحمد 4/ 309، وعبد بن حميد (310)، وأبو داود (1949)، وابن ماجه (3010)، والترمذي (889) من حديث عبد الرّحمن بن يَعْمُر.
(¬2) جـ: "معناه تعظيم".
(¬3) انظر مختصر الطحاوي: 64 - 65، ومختصر اختلاف العلّماء: 2/ 148، والمبسوط: 4/ 15.
(¬4) البقرة: 158.
(¬5) جـ:"يمنع".
(¬6) البقرة: 158.
(¬7) في القبس: "فهم".

الصفحة 278