كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

فاعتبر (¬1) ظاهر ما أُمِرَ به، فقال: "لَبَّيْكَ بحَجَّةٍ" فسمعه جابر وعائشة، فسمعا الحقّ ونقلا الحقّ.
وانتظر النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - أنّ يُقَرَّ على ذلك، أو يبيّن له فيه شيء، فلم يكن، فقال: "لبَّيك بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ" (¬2) فسمعه أنس وهو تحت راحلته، فسمع الحقّ ونقل الحقّ.
وسار النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - على هذه الحالة حتّى نزل وادي العقيق، فنزل عليه جبريل وقال له: "صلِّ في هذا الوادي المُبَارَك، وقُلْ: عُمْرَة وحَجَّة" (¬3) فكشف له قناع البيان عن القِرَانِ، فاستمرّ عليه، والتزم من ذلك ما لزمه، ومرَّ حتّى دخل مكّة، فأمر أصحابه أنّ يفسخوا الحجّ إلى العمرة.
المسألة الرّابعة (¬4):
أمّا مالك (¬5) والشّافعىّ (¬6) فقالا: الافراد أفضل؛ لأنّه هو المفروض، وتخليص الفَرْض من السُّنَّة، أو عن (¬7) فَرْض آخر يُمزَج معه أَوْلَى.
وأمّا أحمد بن حنبل (¬8) وجماعة (¬9) فقالوا: التّمتُّعُ أفضل، لما ثبت عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - أنّه قال: "لَوِ استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ ولَجَعلتُها عُمْرَةً" (¬10) فتمنَّى النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - أنّ يكون متمتِّعًا، ولا يتمنَّى إِلَّا الأفضل.
قلنا: ولا يفعل إِلَّا الأفضل، فكيف يُفَوِّتُه اللهُ تعالى الأكمل ويردَّه إلى الأدون!
وأمّا قولهم: إنَّ في الحديث: "تمتَّعَ رسولُ اللهُ - صلّى الله عليه وسلم -" فقد احتجُّوا به (¬11).
قلنا: المراد بقوله: "تَمَتَّعَ" جمع بين الحجّ والعمرة، وهو متاعٌ، ولم يرد
¬__________
(¬1) في القبس: "فلم ينزل عليه شيء فاعتمد".
(¬2) أخرجه مسلم (1232).
(¬3) أخرجه البخاريّ (1534) من حديث عمر.
(¬4) انظرها في القبس: 2/ 559.
(¬5) في المدونة: 1/ 595 في ما جاء في القِرَان والغسل للمحرم.
(¬6) في الأم: 3/ 524، وانظر الحاوي الكبير: 4/ 43.
(¬7) في الأصل: "وعن" والمثبت من القبس.
(¬8) انظر المقنع والشرح الكبير والإنصاف: 1/ 151.
(¬9) منهبم: ابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزّبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوُس، ومجاهد، وجابر وعِكرِمَة، انظر المصادر السابقة.
(¬10) أخرجه البخاريّ (1785)، ومسلم (1216) من حديث جابر.
(¬11) في القبس: "فقد احتجّ به أيضًا".

الصفحة 317