عليكَ، إِلَّا أنَّا حُرُمٌ" (¬1) فاقتضى ذلك تحريم ما صيد من أجل المحرم، ويحتمل أنّ يكون الحمار حَيًّا، فامتنع النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - من قَبُوله؛ لأنّه لو قبلَهُ كان يلزمه إرساله، فرأى إبقاءه على ملك صاحبه أَوْلَى، والأوَّلُ أظهر في التَّأويل، وحديث أبي قتادة نَصٌّ (¬2) في أنّ يأكل المُحْرِم ما لم يصد من أجله، ومَنْ شكَّ في شيء فليدعه "وإنّما هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ" كما قالت عائشة (¬3).
فإن قيل: إنّما منع اللهُ من الصَّيد في حقِّ المُتَعَمِّد، وأنتم قد جعلتمُ المخطىءَ مثله؟
الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها إِنَا نقول له: إنّما ذكر اللهُ المتعمِّد لأنّه الأغلب، وأمَّا الخطأ فلا يقع في قتل الصَّيد إِلَّا نادرًا، بل لم نسمعه، وإنّما تُكُلَّمَ في تصوير مسألة فيه.
الثَّاني: إنَّ قوله (متعمدًا) حال من القاتل مفعوله (¬4) القتل ليس المقتول، وقد بيّنَّا ذلك في "رسالة الملجئة" (¬5).
الثّالث: إنَّ الأفعال كلّها من ارتكاب المحظور (¬6)، وخطؤها وعمدها سواء، فالصّيد مثله.
المسألة الثّانية (¬7):
قوله (¬8): "فَأَكَلَ منهُ بَعْضُ أصحابه (¬9) وَأَبَى بَعْضُهُم" فدلّ على القول بالرّأي
والقياس (¬10)؛ لأنّ كلَّ طائفة قد ذهبت في ذلك إلى معنى ما (¬11) دون النَّصِّ (¬12)، فلم
¬__________
(¬1) أخرجه مالك في الموطّأ (1015) رواية يحيى.
(¬2) "نصّ" ساقطة من الأصل، واستدركناها من القبس.
(¬3) أخرجه مالك في الموطَّأ (1017) رواية يحيى.
(¬4) في الأصل: "من القاتل معقولة" ولعلّ الصواب ما أثبتناه من القبس.
(¬5) "الملجئة" بيّض مكأنّها في الأصل، وقد استدركناها من القبس.
(¬6) في الأصل: (المخفى) وفي القبس: "المحظورات" والمثبت من القبس: 2/ 236 (ط. الأزهري).
(¬7) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 241 - 242.
(¬8) أي قول نافع مولى أبي قتادة الأنصاري في حديث الموطَّأ (1005) رواية يحيى.
(¬9) أي أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -.
(¬10) كلمة "والقياس " بُيِّضَ مكأنّها في الأصل، واستدركناها من المنتقى.
(¬11) "ما" زيادة من المنتقي.
(¬12) تتمّة الكلام كما في المنتقى: "ولأنّه لم يحتجّ أحدٌ منهم بنصٍّ، ولو كان عنده واحتجّ به، لصار الكلّ إلى ما احتجّ به، ثمّ أعلم رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - باختلافهم في ذلك".