كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

وقال أبو حنيفة (¬1): يَقتُلُ (¬2) ابتداءً الذِّئب والكلب العَقُور والغُراب والحَدأَة ولا جزاء عليه، وكذلك إنَّ قتل أسدًا أو نمرًا وكل ما يعقر النَّاس؛ لأنّ الكلب مأخوذ من التَّكَلُّب، ومنه قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} (¬3) والعَقُور مأخوذ من العَقْر، وقد رُوي عن أبي هريرة -وهو قول أهل اللِّسان (¬4) - أنّه قَال (¬5) الكلب العَقُور هو الأسد (¬6).
ودليلنا من جهة القياس: أنّ هذا حيوان يلحق الضَّرَرُ من جهته بالعدوان والافتراس غالبًا، فجاز للمُحْرِمِ أنّ يبتدئه بالقتل، كالذِّئب والكلب العَقُور وغيره. وقال الشّافعيُّ (¬7): كلُّ حيوانِ يحرمُ أكلُه فإنّه مباحٌ للمُحْرِمِ قتله، إلّا السَّبع وهو المتولِّد من الذِّئب والضّبع.
ودليلنا قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ...} الآية (¬8)، والصَّيد اسمٌ واقعٌ على كلِّ مستوحشٍ (¬9) سواء كان ممّا يُؤكَل لَحمه أو لا يؤكل.
ومن جهة المعنى: أنّ هذا حيوان وحشيّ لا يبتدىء بالضَّرَر غالبًا، فوجب الجزاء على مَنْ قَتَلَه مُحْرِمًا، كالضّبع (¬10) والثَّعْلَب.
المسألة الثّانية (¬11):
قوله: "الحِدَأَةُ والعَقْرَبُ " قال ابنُ القصَّار: نَصَّ النَّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - عليها، ونَبَّهَ بذلك على ما هو أكثر ضَرَرًا منها، وهذا يحتاج إلى تأصيل (¬12)؛ لأنّه ليس في جنسها ما يبلغ ضررها؛ لأنّ أكثر ضررها ليس بشدّة فيها، وإنّما هو لِكَثْرَتِهِا ودَنُوِّهَا من النَّاس وطلبها
¬__________
(¬1) انظر الأصل: 2/ 445، ومختصر اختلاف العلماء: 2/ 120.
(¬2) أي المُحْرِمُ.
(¬3) المائدة: 4.
(¬4) في المنتقى: "وهو من أهل اللّسان" وهو الأنسب.
(¬5) "قال " ساقطة من الأصل، واستدركناها من المنتقى.
(¬6) أخرجه عبد الرّزّاق (8379).
(¬7) انظر الأم: 3/ 464.
(¬8) المائدة: 96.
(¬9) في المنتقى: "متوحش يصطاد".
(¬10) في الأصل المخطوط: "كالسبع" والمثبت من المنتقى.
(¬11) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 261.
(¬12) في المنتقى: " وهذا الكلام يحتاج إلى تأمُّل".

الصفحة 372