كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 4)

واختلف علماؤنا في وجوبه على الفَوْر أو على التّراخي، فذهب عبد الوهّاب (¬1) إلى أنّه على الفور، وبه قال أبو حنيفة (¬2)، وقال القاضي أبو بكر (¬3): هو على التّراخي، وبه قال الشّافعيّ (¬4)، وهو الأظهر عندي (¬5).
وقال بعضُ المغاربة: في هذه المسألة طريقان (¬6):
أحدهما: أنّ يدلَّ على أنّ الأوامر على التَّرَاخِي.
الثّاني: أنّ يدلّ على المسألة نفسها.
والدّليلُ على أنّ الأوامر على التّراخي: أنّ لفظة "افْعَل" ليست بمقتضيه للزّمان، إِلَّا بمعنى (¬7) أنّ الفعل لا يقع إِلَّا في الزّمان، وذلك كاقتضائها للحال والمكان، ثمّ ثبت (¬8) أنّ له أنّ يأتي بالمأمور به (¬9) أي مكان شاء وعلى أي حالٍ شاء، فكذلك له أنّ يفعلَه في أيِّ زمان شاء.
وظاهرُ قول القاضي أب بكر أنّه يجب إذا غلب على ظنِّه الفَوْت.
وقال بعض الشّافعية: إنّه يجوز له التّراخي بشرط السَّلَامة، فإن مات قبل الإتيان به، تبيّن أنّ (¬10) العصيان قد وقع بتأخيره.
الثّانية:
الاستطاعة، قد بَيَّنَا فيما تقدّم وجوبها من أقوال العلماء.
¬__________
(¬1) في المعونة: 1/ 321 (ط. الشّافعيّ)، والإشارف: 1/ 459 (ط. ابن طاهر).
(¬2) يقول القاضي عبد الوهّاب في عيون المجالس: 2/ 773 "ولا يُحْفَظُ عن أبي حنيفة - رحمه الله - في ذلك شيء، وأصحابه يقولون إنَّ مذهبه مثل مذهب مالك - رحمه الله -، وعليه يناظرون".
(¬3) هو الباقلاني، انظر رأيه في مسألة الأمر هل هو على الفور أو على التراخي في التّقريب والإرشاد: 2/ 208.
(¬4) يقول ابن برهان في الوصول إلى الأصول: 1/ 149 "لم ينقل عن الشّافعيّ ولا عن أبي حنيفة نصّ في ذلك، ولكن فروعهم تدلّ على ذلك، وهذا خطأ في نقل المذاهب، فإنّ الفروع تبنى على الأصول، ولا تبنى الأصول على الفروع".
(¬5) الكلام موصول للباجي، وهو الّذي رجّحه في إحكام الفصول: 212، وانظر مقدمة ابن القصار: 132 مع الحواشي.
(¬6) الّذي في المنتقى: "وقال ابن خويز منداد إنّه مذهب المغاربة من أصحابنا، ولنا في المسألة طريقان".
(¬7) "بمعنى" زيادة من المنتقى.
(¬8) "ثبت" زيادة من المنتقى.
(¬9) "به" زيادة من المنتقى.
(¬10) "تبيّن أنّ" زيادة من المنتقى.

الصفحة 385