كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

ثمّ اختلف المهاجرون والأنصارُ فيمن تكونُ الإمامةُ، فقصَدَهُم أبو بكرٍ في محلِّهم، وتوسَّطَ مُجْتَمعَهُم، وخطَب خُطْبَتَهُ المعروفةَ فقال: إِنَّ هَذا الأَمرَ لا يَصلُحُ إِلَّا لقُرَيش، وقَدْ سَمَّاهُمُ اللهُ "الصّادقين" وسمَّاكم "المفلحين"، وقد أمركم أنّ تكونوا معنا حيث كُنَّا، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (¬1).
وأمّا تسمية الأنصار "المفلحين" ففي قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (¬2).
وقد قال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - في آخر خُطبَةٍ خَطَبَهَا: "أُوْصِيكُمْ بالأَنْصَارِ خَيرًا" (¬3) وَلَوْ كَانَ لَكُمْ مِنَ الأَمْر شَيءٌ مَا وَصَّى بِكُم (¬4).
وأمّا قوله (¬5): "القَتْلُ حَتفٌ مِنَ الحُتُوفِ" (¬6) فإن ذلك إشارةٌ إلى أَنّ الأجلَ بيد اللهِ، وأن خيرَ مواقفِهِ الشَّهادةُ الّتي يحتسِبُ نَفْسَهُ فيها الشّهيدُ على الله تعالى.
تَمَّ الجهاد والحمدُ لله كثيرًا
¬__________
= منفردًا في قبري"، عن فتح الباري: 5/ 338، وأنظر النهاية: 2/ 390.
(¬1) التوبة: 119.
(¬2) الحشر: 9.
(¬3) أخرجه البخاريّ (3799) من حديث أنس مطولًا.
(¬4) انظر تاريخ الطّبريّ: 3/ 218 - 223، وأنساب الأشراف للبلاذري: 2/ 259 - 267.
وللتوسع في الموضوع انظر سراج المريدين: 185/ ب، وقانون التّأويل: 153، والعارضة: 9/ 143، والعواصم: 373 (ط. طالبي)، والقبس: 2/ 611، وأحكام القرآن: 2/ 867 - 869.
(¬5) جزء من حديث الموطَّأ (1332) رواية يحيى، سبق شرحه صفحة: [94].
(¬6) شرح البوني هذا الكلام بقوله: "يريد الموت لا بدّ منه في سبيل الله وفي غيره، فلأن يكون موت الرَّجل في سبيل الله خير له من أنّ يموت على فراشه". ويقول القنازعي في تفسير الموطَّأ: الورقة 219 "يعني: هو منية من المنايا، والشهيد من احتسب نفسه على الله، يريد أنّه من قاتل إيمانًا واحتسابًا حتّى قتل فهو شهيد".

الصفحة 144

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text