كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

وقولُه (¬1): {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} (¬2) معناه: وما صِيدَ، أي: مَا صَادَهُ (¬3) {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} خرجَ مخرَجَ قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} (¬4) والكلامُ يدلُّ على أنّهم سألوا عن الصَّيدِ فيما ساَلُوا عنه، وذلك مذكورٌ في الحديث، رُوِيَ عن زَيد الخَيل وعَدِيّ ابنِ حَاتِم أنّهما قالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لَنَا كِلابًا نَصِيدُ بِهَا البَقَرَ وَالظِّبَاء، فَمِنهَا مَا ندرِك وَمِنهَا مَالَا ندرك إِلَّا ميتًا، وَقَد حَرَّمَ اللهُ المِيتَةَ، فَسكتَ عنهُمَا رَسُول اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - فَاَتزَلَ اللهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} الآية (¬5).
وَرَوَى أبو رَافِع قال: جاءَ جبريلُ إلى النَّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - يَسْتَأْذِنُ عَلَيهِ فَأذِنَ لَهُ فَقَال: قَد أَذِنَّا لَكَ يَا رَسُول اللهِ، قَالَ: أَجَل، وَلَكِنَّا لَا نَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ (¬6)، قال أَبُو رَافِع: فَأَمَرَ أنّ نَقتُلَ الكِلَابَ بِالمَدِينَةِ، فَقَتَلْتُ حَتى انْتُهَيتُ إِلَى امرَأَةٍ عِندَهَا كَلبَّ يَنْبَحُ عَلَيهَا، فَتَرَكتُه، ثُمَّ جِئتُ رَسُولَ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - فَأَخبَرتُهُ، فَأَمَرَنِي بِقَتلِهِ، فَسَكَتَ، فَأتزَل اللهُ تَعَالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} الآية (¬7)، وَهَذَا هو الصَّحِيحُ،
وقوله (¬8): {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} فالجوارحُ معناها: الكَوَاسِب، جرح إذا كسب، فالجوارحُ هي الّتي يُصَادُ بها، وهي الكلابُ والفهودُ والبُزَاةُ والصُّقُورُ، وما أَشبَهَ ذلك.
ومن أهل العلم من قال: لا يُؤكَل إِلَّا صيدُ الكلابِ.
¬__________
(¬1) هذه الفقرة اقتبسها المؤلِّف - بتصرُّف - من المقدِّمات لابن رشد 1/ 417 - 418.
(¬2) المائدة: 4.
(¬3) في المقدِّمات: "معناه: وصَيدُ ما علّمتم من الجوارح".
(¬4) يوسف: 82.
(¬5) المائدة: 4، والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر أسباب نزول القرآن للواحدي: 184 - 185، وتفسير القرطبي: 6/ 65، والدر المنثور: 2/ 260. وفي سند الحديث ابن لهيعة.
(¬6) ورد نحو هذا في مسلم (2104) عن أبي حازم، وعن عائشة.
(¬7) أورد. الواحدي في أسباب نزول القرآن:184، والحديث أخرجه الحاكم: 2/ 311 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(¬8) من هاهنا إلى بداية النّكتة مُقتَبَسٌ من المقدِّمات لابن رشد: 1/ 418.

الصفحة 255