كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

وفي الصّحيح عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ "أَنَّهُم خَرَجُوا في غَزوَةِ السِّيف مَعَ أَبِي عُبِيدَةَ ابن الجَرَّاحِ، فَفَنِيَ زَادُهُمُ - عَلَى صِفَةٍ ذَكَرَهَا أَهلُ السِّيرِ -، فَأَلقَى لَهُمُ البَحرُ حُوتًا يُقَالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأَكَلُوا مِنهُ شَهرًا، وَادَّهنُوا بِهِ، وَشَبِعُوا، وَجَاءوُا مِتهُ بِفَاضِلةِ إلَى المدينة، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - ذلكَ، وَأَهدوْا إِلَيْهِ مِنْهُ فأَكَلَهُ" (¬1).
الفقه في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى (¬2):
قولُه في هذا الحديث (¬3) "إنَّ ابن عُمَرَ نَهَى عن أَكلِ مَا لَفَظَهُ الْبَحرُ" وذلك على ضربين: أحدهما أنّ يلفظه حيًّا، والثّاني: أنّ يلفظه ميتًا.
لمّا اعتقد تحريمه، ثمَّ ظهر إليه أنّ يُعيدَ النَّظر لذكر الآية، فأعادَ نَظَرَهُ فيها، فقرأَ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} (¬4) فحمل الصَّيد على ما صِيدَ منه لامتناعه، والطعام على ما يتناول دون تَصَيُّد، وذلك لا يكون إِلَّا في الطَّافِي، وهو في الغالب لا يُعْلَم سبب موته.
فإذا ثبت ذلك، فجميعُ صيدِ البحرِ حلالٌ عند مالك.
وأمّا كلب الماء وخنزيره، فقد روى أبو القاسم أنّه مكروه (¬5)، وقاله ابنُ حبيب، وفي "الموازية": اختلفَ في خنزير الماء، فاجازَ أكله رَبِيعَة، وكرهه يحيى بن سعيد، وظاهرُ القرآنِ والسُّنَّةِ يُبيحُه.
¬__________
(¬1) أخرجه مالك في الموطَّأ (2689) رواية يحيى، والبخاري (2483)، ومسلم (1935).
(¬2) هذه المسألة مقتبسة من المنتقي: 3/ 128.
(¬3) حديث الموطَّأ (1427) رواية يحيى، ورواه عن مالك: أبو مصعب (2161)، وعلي بن زياد (116) وسويد (411)، ومحمد بن الحسن (649)، وابن بكير لوحة 180/ أ [نسخة تركيا].
(¬4) المائدة: 96.
(¬5) قاله أبو القاسم بن الجلّاب في التفريع: 1/ 405، وانظر النوادر والزيادات: 4/ 358

الصفحة 281