كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

واختلف في ذلك الأيمَّةُ، هل هو نصُّ في التّحريم؟ فقال به جماعة (¬1). وقالت
جماعة: إنّه محمولٌ على الكراهية، وإنه نهي أدَبٍ وإرشادٍ (¬2).
فأمّا من قال: إنّه تحريمٌ عامٌّ ومَن فَعَلَهُ وعَلِمَ به فإنّه (¬3) عاصٍ آثمٌ، فاستدلَّ بقوله: "إِذَا نَهَيتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَانتَهُوا، وَإذا أَمَرتُكُمْ بِشَيءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ" فأطلقَ النَّهيَ ولم يقيِّدْهُ بصفةٍ، وكذلك الأمرُ لم يقيِّده إِلَّا بعدم الاستطاعة، فقالوا: إنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ (¬4)، أو مشَى في نعلٍ واحدةٍ، أو قَرَنَ بين تمرتين في الأكل، أو أكل من رأس الصَّحفَةِ (¬5)، ونحو هذا وهو عالمٌ بالنّهيِ كان عاصيًا.
وقال اَخَرُون: هذه الأشياء مُعَللَة، فهذا عُلِمَتِ العلّةُ أو زالت زال حُكمُهَا.
أمّا قولُه: "نهى عن الأكل من رأس الصَّحْفَة" فالعلَّةُ فيه أنَّ البركةَ تزولُ منها.
وأمّا "النّهي عن القِرَانِ في التَمر" لِمَا فيه من سوءِ الأدبِ (¬6)، وكذلك النّهي عن الشَّربِ من فمّ السِّقَاءِ خوفَ الهَوَامِّ؛ لأنّ أفواه الأسقية تَصعَدُ فيها الهوامُّ، وربّما كان في السِّقَاءِ ما يؤذيه، فهذا جعل عليه شيئًا سَلِمَ منه.
وأمّا (¬7) من نَصَّ على الكراهية (¬8)؛ فإن عَبِيدَةَ (¬9) غير معلوم الحِفظِ، وقد روى
¬__________
(¬1) منهم ابن عبد البرّ كما في التمهيد: 1/ 140.
(¬2) قاله أبو بكر الأبهري، كما نصَّ عليه ابن عبد البرّ في الاستذكار: 15/ 315.
(¬3) من هنا إلى آخر الفقرة الرّابعة مقبس من التمهيد: 1/ 141 - 142.
(¬4) الماء: وعاء من جلد يكون للماء واللّبن.
(¬5) الصّحفة: إناءٌ: من آنية الطّعام.
(¬6) تتمّة الكلام كما في التمهيد: " ... الأدب، أنّ يأكل المرء مع جليسه وأكيله تمرتين في واحد، ويأخذ جليسه تمرة، فمن فعل ذلك فلا حرج".
(¬7) من هنا إلى قوله: "يدلُّ على تصحيحه له والتزامه" مقتبس من المنتقى: 3/ 131.
(¬8) في المنتقي: "وقوله - صلّى الله عليه وسلم -: "أكل كلّ ذي نابٍ من السِّباع حرام" وهذا نصّ في التّحريم، وقد أجاب عنه أبو بكر بن الجهم وغيره بأن ... ".
(¬9) عبيدة بن سمان الحضرميّ، وثقه النسائي، وذكره ابن حبّان في الثقات: 5/ 140، وانظر تهذيب الكَمال: 5/ 86 (4344).

الصفحة 288