كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

ويعضده قولُه تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} (¬1) فصيدُ البحرِ ما صِيدَ وتكلّفَ أَخْذُه، وطعامُهُ ما طَفَا عليه.
ومنَ العلماء من خصَّصَهُ في السَّمكِ خاصَّةَ، ورَأَى أكلَ مَيتَيه، ومنعَ مِن أَكلِ الجرادِ إِلَّا بذكاةٍ، قاله مالك.
قال القاضي - رضي الله عنه -: وليس في الجرادِ حديث يُعَوَّلُ عليه في أكلِ المَيْتَةِ. وأكلُ الجرادِ جائزٌ بالإجماعِ، وفيه أخبارٌ منها: حديث ابن أبي أوفى: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ سَبعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الْجَرَادَ مَعَهُ" (¬2).
ؤرَؤى سَلمَان (¬3) أنّ رسولَ اللهِ قال: الجَرَادُ أَكثَرُ جُندِ اللهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ" (¬4) وهو من صَيدِ البرِّ.
القول في المستثنى من ذلك (¬5):
حرّم اللهُ المَيتَة ثمّ استثنى حالَ الضَّرورة فقال: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (¬6)، ثمّ استثنى مِنَ المستثنَى فقالَ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} (¬7).
وسُئلَ الفِهْرِيُّ (¬8) بالمسجد الأقص عن مسألةٍ، فقيل له: إذا خرج باغيًا أو معتدِّيًا فوجدَ المَيْتَةَ، أيأكلُ أم يموتُ؟ فقال: بل يموتُ ولا يأكلُ. وهذا غير تحقيق نَظَرٍ منه.
قال القاضي عبد الوهّاب: إنَّ أرادَ أنْ يأكلَ فَليَتُب، فإذا تابَ ارتفعت عنه سِمَةُ البغي والعُدوان، ودخلَ تحت قولِهِ: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (¬9).
¬__________
(¬1) المائدة: 96.
(¬2) أخرجه البخاريّ (3495)، ومسلم (1952).
(¬3) أخرجه أبو داود (3813ع)، وابن ماجه (3219)، والطبراني في الكبير (6129، 6149)، والبيهقي (18773)، والخطيب في تاريخ بغداد: 14/ 72.
(¬4) علّق عليه في الأحكام: 1/ 53 بقوله: "ولم يصحّ، بيد أنّ الخلفاء أكلته". انظر تاريخ ابن معين برواية الدوري: 4/ 268، وعلل الحديث لابن أبي حاتم: 2/ 8.
(¬5) انظره في القبس: 4/ 627.
(¬6) الأنعام: 119.
(¬7) الأنعام: 145.
(¬8) هو الإمام أبو بكر الطرطوشي.
(¬9) الانعام: 119. وانظر المعونة: 2/ 708، والإشراف: 2/ 922 (ط. ابن حزم).

الصفحة 315