كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

فكأنه إنّما كرِهَ الاسْمَ. وقال "من وُلِدَ له ولُدٌ فَأَحَبَّ أنّ يَنسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَليَفعَلْ" (¬1).
وما روي عنه أنّه قال: "الغُلَامُ مُرتهنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذبَحُ عنهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُحلَقُ رَأسُهُ وَيُسَمَّى" (¬2)، يدلُّ على وُجوبِها.
وتأويلُ ذلك عند علمائنا: أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام، ثمَّ نُسِخَ ذلك بعدُ بقوله: "مَنْ أَحَبَّ أنّ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَليَفْعَلْ" فسقَطَ الوجوبُ.
ومِنَ العلّماءِ من تعلّق بما يدلُّ عليه الحديث المذكور وغيره من الوُجُوبِ، فَأَوْجَبَ العَقِيقَةَ، وقال: من لم يُعَقّ عنه وهو صغيرٌ يُعَقَّ عنه وهو كبيرٌ، ؤيلزمُهُ أنّ يفعلَ ذلك بنفسِهِ، على ما رُوِي أنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعدَمَا جَاءتهُ النُّبُؤَّة (¬3)، ولم يصحّ ذلك عندَ مالك لا سَنَدًا ولا نَقْلًا (¬4) وأَنكَرَهُ وقال (¬5): أرأيتَ أصحابَ النَّبِيِّ - صلّى الله عليه وسلم - الّذين لم يُعَقّ عنهم في الجاهليَّةِ، أَعَقُّوا عن أَنفسهم في الإسلام؟ هذه الأباطيل.
المسألةُ الثّانيةُ (¬6):
إذا ثبت ذلك، فإنّ قوله (¬7) "فَأَحَبَّ أنّ يَنْسُكَ عَنْهُ" يقتضي أنّ ذلك في مال الأب عن ابنِهِ، فلو كان للمولودِ مالٌ لكان الأَظهر عندي أنّ تكون العقيقة في مال الأب،
¬__________
(¬1) أخرجه مالك في الموطَّأ (1441) رواية يحيى.
(¬2) أخرجه التّرمذيّ (1522) وقال: حسن صحيح. وانظر تعليقنا رقم 3 صفحة: 407.
(¬3) أخرجه ابن المديني في العلّل (58)، والطبراني في الأوسط (998)، والروياني في مسنده (1371) والبيهقي (19056)، والضياء في الأحاديث المخنارة (1833) وصححه، وقال الهيثمي في المجمع: 4/ 59 "رجال الطبراني رجال الصّحيح، خلا الهثم بن جميل وهو ثقة، وشيخ الطبراني أحمد بن مسعود الخياط المقدسي ليس هو في الميزان". وقال ابن حجر في الفتح: 9/ 595 "لا يثبت".
(¬4) "لا سندًا ولا نقلًا" من زيادات المؤلِّف على نصّ المقدِّمات الممهِّدات.
(¬5) قاله في العتبية: 3/ 291 في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، رواية سحنون.
(¬6) هذه المسألة مقتبسة من المتنقى: 3/ 101.
(¬7) في حديث الموطَّأ (1441).

الصفحة 330