كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

قاله بعض العلّماءِ: إنّه يعزَّر وينكَّل إذا أُشكِلَ أَمرُهُ وتعلّقَتِ الظِّنَّةُ به.
مسألة (¬1):
وقوله (¬2): إِنَّ عُمَرَ استَشَارَ في الخَمرِ وَجَوَابُ عَلِيٍّ، يدلّ على أنّه استشارَ في قَدرِ الحدِّ، وإنّما كان ذلك لأنّ الأصحّ أنّه لم يتقدَّم في زمَنِ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قَدرٌ لا يُزاد عليهِ ولا ينقص منه، وإنّما كان يضربُ مقدارًا قَدَّرَتهُ الصّحابة، واختلفوا في تقديره.
يدلُّ على ذلك: ما رُوِيَ عن عليَّ أنّه قال: "مَا من رَجُلٍ أَقَمتُ عَلَيهِ الحَدَّ فَمَاتَ، فَأَجِدُ في نّفْسِي منه شَيئًا إِلَّا شَارِب الخّمْرِ فَإِنَّهُ إنَّ مَاتَ فيه وَدَيتُه؛ لأنّ رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - مَاتَ وَلَمْ يَسُنَّهُ" (¬3)، ومعناه: لم يحدّه بحدٍّ يمنعُ الزِّيادةَ فيه والنّقص منه.
وقد (¬4) كان - صلّى الله عليه وسلم - يَجْلِدُ في الخّمْرِ بِالنِّعَالِ، وَالجَرِيدِ (¬5)، وَالثِّيَابِ، مِن غَيرِ تَقدِيرٍ وَلا تحدِيدٍ، إِلَّا أنّ الصّحابةَ قدَّرُوها بالأربعينَ، واستمرّتِ الحالُ على ذلك خلافةَ أبي بكرٍ، فلمّا تَتَايَعَ النَّاس في زمنِ عمرَ استشارَ في حدِّ الخمرِ، فقالَ له عليّ: "إِذَا سَكِرَ هذَى. وإِذَا هَذَى افتَرَى فَاجلِدْهُ حَدَّ الفِريَةِ أَوِ المُفتَرِي" (¬6)، فكان هذا اتِّفاقًا من الصَّحابة على إثباتِ الأحكامِ بالقياس. ثمَّ جلدَ علىٌّ الوليدَ بنَ عقبةَ في زمنِ عثمانَ أربعينَ (¬7)، ثمَّ استقرَّتِ الحالُ عندَ استواءِ الأمر لمعاويةَ على ثمانينَ، وقال بذلك مالك وأبو حنيفة (¬8).
¬__________
(¬1) الفقرتان التاليتان من هذه المسألة إلى قوله: "يمنع الزِّيادة فيه والنّقص منه" نقلهما المؤلِّف من المنتقى: 3/ 143 - 144.
(¬2) أي قول ثَوْر بن زَيد الدِّيليّ في الموطَّأ (2442) رواية يحيى، ورواه عن مالك: أبو مصعب (1866)، ومحمد بن الحسن (710).
(¬3) أخرجه البخاريّ (6778)، ومسلم (1707)، وانظر أحمد: 1/ 125، 130، وابن ماجه (2569)، وأبو يعلى (336، 514).
(¬4) انظر الكلام التالي القبس: 2/ 655 - 656.
(¬5) أخرجه البخاريّ (6773)، ومسلم (1706) من حديث أنس.
(¬6) أخرجه مالك في الموطَّأ (2442) رواية يحيى.
(¬7) أخرجه مسلم (1707) من حديث أبي ساسان حُضَيْن بن المنذر.
(¬8) انظر المبسوط: 24/ 3.

الصفحة 351