كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

الفقه في عشر مسائل:
الأُولى (¬1):
قولُه في الحديث (¬2): "استَفتِ لِي رسُول اللهِ - صلّى الله عليه وسلم -" يريدُ: اسأَلهُ لي سؤالَ المُلتَزِمِ لحُكمِه، وذلك إنّما يكون لجميع الأُمَّةِ مع النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -، وللعالِمِ مع الجاهل، فأمّا العالِمَان اللّذانِ يَسُوغُ لكلِّ واحدٍ منهما الاجتهاد، فإنّه إذا سأل أحدهما الآخر، لا يخلو أنّ يكون على وجهِ الاختبار والمذاكرة، أو على وجهِ التَّقليدِ، فأمّا الأوَّل فجائزٌ لهما إذا الْتزما شروطَ المناظرةِ من الإِنصاف وقصد إِظهارِ الحَقِّ، وقد فعلَ ذلك الصّحابة -رضوان الله عليهم- ومَن بعدَهُم إلى وَقتِنَا. وأمّا سؤالُه إيَّاهُ مُستَفْتِيًا، فإنّه لا خلافَ أنّه لا يجوزُ مع تساوِيهِمَا في العِلْم (¬3)؛ لأنَّ فرضَ كلِّ واحدٍ منهما الاجتهاد، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما شُفُوفٌ (¬4)، فهل يجوزُ للّذي دونه أنّ يقلِّدَه مع تمكُّنهِ من النَّظَر والاستدلال أم لا؟
فالّذي عليه جمهورُ العلماءِ أنّه لا يجوزُ له تقليده.
وقد قال بعضُ أصحابِ أبي حنيفة: ذلك جائزٌ له (¬5).
¬__________
(¬1) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 3/ 228 مع بتصرّفٍ.
(¬2) أي في الحديث الّذي رواه مالك في الموطَّأ (1351) رواية يحيى، ورواه عن مالك: أبو مصعب (2191)، وسويد (259)، وابن القاسم (51)، ومحمد بن الحسن (750)، والقعنبي عند الجوهري (186)، والتنيسي عند البخاريّ (2761)، ويحيى بن يحيى النيسابوري عند مسلم (1638)، والشّافعيّ عند البيهقي: 4/ 256.
(¬3) وهو الّذي نصره المؤلِّف في المحصول في علم الأصول: لوحة 68/ أ، وذكر ابن القصّار في مقدِّمته: 10 أنّه مذهب مالك وعامة الفقهاء، ونصّ الباجي ني إحكام الفصول: 721 على أنّه قول أكثر مالكية بغداد، والأشبه بمذهب الإمام مالك. للتوسع انظر: البحر المحيط: 6/ 286.
(¬4) أي تفوُّقٌ في العلم.
(¬5) وهو الّذي نصّ عليه الباجي في إحكام الفصول: 721، وانظر التقرير والتحبير: 3/ 344، وفواتح الرحموت: 2/ 392.

الصفحة 378