كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

عوّلوا على أنّ قولَ الرَّجُل: والله لا دخلتُ الدَّارَ، كأنّه يُخْبرُ بامتناعه عن دخولها، ويؤكِّدُ خبرَهُ بتعظيم الله، فإذا خالفَ فكأنّه ترك ذلك التَّعظيم. فإذا قال: تركتُ حرمةَ الله إنَّ دخلتُ الدّارَ، كان مثلَ ذلك.
قلنا: تخيّلتم تخيُّلًا فاسدًا في وجه تعلُّقِ الكفّارةِ باليمين باللهِ، وإنّما هي شرعٌ محضٌ، أو معنى غير ما ذكرتم، وتحقيقُه في "مسائل الخلاف".
المسألةُ الثّانيةُ (¬1):
فإن حلَفَ باللاّت والعُزَّى والطّواغيت، فقد أثِمَ، ولا كفَّارة عليه وإن حَنِثَ.
وقال أبو حنيفة والثّوريّ: عليه كفّارة يمين.
ودليلُنا: ما رُوي عن النّبي - صلّى الله عليه وسلم - أنّه قال: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ في يَمِينِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُل: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ" (¬2).
المسألةُ الثالثةُ (¬3):
قولُه (¬4): "يُجزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ" اختلفَ العلّماءُ فيمن حلَفَ بصَدَقةِ مالِه فحَنِثَ:
فقال مالك (¬5): يُجْزِئه من ذلك الثُّلُث.
وقال أبو حنيفة: يُجزِئهِ أنّ يُخرجَ جميعه من العين والحرث والماشية دونَ سائرِ أمواله (¬6).
وقال النَّخعيُّ: يخرج جميع ماله (¬7).
والأفضل له استبقاء أكثره، لقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (¬8)، ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ
¬__________
(¬1) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 3/ 259.
(¬2) أخرجه البخاريّ (6650)، ومسلم (1647) من حديث أبي هريرة.
(¬3) هذه المسألة مقتبسةٌ من المنتقى: 3/ 260.
(¬4) في حديث الموطَّأ (1384) رواية يحيى، ورواه عن مالك: أبو مصعب (2208)، وسويد (266).
(¬5) في المدوّنة: 2/ 25 في الرَّجل يحلف بصدقة ماله.
(¬6) انظر مختصر الطحاوي: 307، ومختصر اختلاف العلماء: 3/ 255.
(¬7) انظر قوله في مختصر اختلاف العلماء: 5/ 255.
(¬8) الإسراء: 29.

الصفحة 416