وقد رَوَى النَّسَائىُّ (¬1)، عن محمودِ بن لَبِيدٍ؛ أنّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في زمَنِ رسولِ الله - صلّى الله عليه وسلم -، فقام رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - مُغْضَبًا يقولُ: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ الله وَأَنَا حَيٌّ بَينَ أَظْهُرِكُم؟ " فَقَامَ رَجُلٌ يقولُ: يا رسُولَ اللهِ، أَقْتُلهُ؟
فهذا معنى الحديث، ليس معناه ما تَوَهَّمَتهُ المُبتَدِعَةُ والجُهَّالُ من أنّ طَلاقَ الثّلاثِ إذا قالها الرَّجلُ في كلمةٍ لا يَلْزَمُ، وقد ضربتُ شرقَ الأرضِ وغرِبَها، فما رأيتُ ولا سمعتُ أحدًا يقولُ ذلك (¬2)، إِلَّا أنّ الشِّيعة الخارجين عن الإسلام يقولون في الظَّاهر: لا يقع الطّلاق على المرأةِ حتّى يُطَلِّقَها واحدةً، ويضعَ يَدَهُ على رأسها، ويقول للشُّهودِ: إنَّ هذه طالقٌ، في حماقاتِ تُجَانِسُ عقائدهم الخيثة.
المسألةُ الثّانية (¬3):
قوله (¬4): "طلَّقتُ امْرَأتِي مِئَةَ طلْقَةٍ" قال علماؤنا (¬5): يحتملُ إيقاعها مُجتَمِعَة ومفترقة، ولا تأثير للزّائد على الثلاث في جَمْعها إِلَّا ما له من التّأثير في تفريقها، وذلك أنّه أِثمَ فيها, ولا يعتدُّ عليه بشيءٍ منها (¬6)، ولا تأثيرَ لهُ في الحُكم إِلَّا في الاستثناء، وهو إذا قال: طلّقتك مئة إِلَّا تسعة وتسعين، فقد رُويَ عن سحنون أنّهاَ ثلاثٌ، ورُوِيَ عنه أنّه قال: لا يقعُ عليه إلّا تطليقة واحدة، فمن جَعَلَ ما زادَ على لفظ الثّلاث،
¬__________
(¬1) في سننه: 6/ 142، وانظر الكلام عن سند الحديث في فتح الباري: 9/ 275.
(¬2) هذا الكلام فيه نظر، انظر المقنع في علم الشروط لابن مغيث: 110 - 113، ومذاهب الحكام في نوازل الأحكام لعياض وولده: 287 - 293.
(¬3) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 4/ 2.
(¬4) في حديث الموطَّأ (1581) رواية يحيى.
(¬5) المقصود هو الإمام الباجي.
(¬6) تتمّة الكلام كما هو في المنتقى: "إنَّ جَدَّدَ نكاحها بعد زوج، وانّما الّذي فرَّق بينهما أنّ الّتي يطلقها واحدة بعد أخرى يتعين له الّتي يحرم بها عليه وهي الثلاث الأوّل، وما بعدها من الطلاق فإنّما يتناول امرأة أجنبية لا يتعين بها طلاق، والذي يجمع لا يتعيّن له الثلاث الّتي تحرم بها عليه، وهذا لا تأثير ... ".