كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 5)

الفقه في مسائل:
المسألة الأولى (¬1):
قال الإمام: مسائلُ الخُلعِ كثيرةٌ، ونُكتَتُهُ أنّه فراقٌ بِعِوَضٍ، كما كان النِّكاح تَلَاقيَّا بعِوَضِ، وحُكمُ العِوَضَينِ في الجوازِ والردِّ سواءٌ، وهو مكروهٌ ككراهيّة الطَّلاقِ. وقد رَوَى التّرمذيُّ (¬2) وغيرُه (¬3)، عن النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -؛ أنَّه قال: "المَختَلِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ"، وذلك إنَّ صحَّ -والله أعلمُ- مع استمرارِ الألفَةِ ودَوَامِ المَوَدَّةِ، فأمّا مع العَجْزِ عن إقامة حدودِ اللهِ تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (¬4) وهذا بيّن من حديثِ قَيْس بن شمَّاس.
وفي "الصّحيح" أنّ النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - قال لثابِتِ بن قَيسٍ: "خُذْ مِنهَا الحَدِيقَةَ" (¬5) فأخذَها وطلَّقها تطليقةً، وهذا يدلُّ على أنّ الخُلْعَ طلاقٌ (¬6).
وقال الشّافعيُ: إنّه فَسخٌ (¬7)، وقد بيَّنَّاهُ في "المسائل"، وقد صرَّحَ في الحديثِ الصَّحيحِ -كما قدَّمناه- أنّه وَقَعَ الخُلْعُ بين يدي النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - طَلَاقا، وقد حقّقنَا فيما تَقَدَّمَ أنّ الله تعالى جعلَ الطَّلاقَ مَخلَصًا من النِّكاح، فمتَى ما خرجَ عنه الزَّوجانِ، فخروجُهُما طلاقٌ؛ تَلَفَّظَا به أو ذَكَرَا معناهُ.
¬__________
(¬1) انظرها في القبس: 3/ 741 - 743.
(¬2) الحديث (1186) وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسنادُهُ بالقويِّ"، ورواه أيضًا في علله الكبير (304).
(¬3) كابن عدي في الضعفاء: 3/ 122، والبيهقي في شعب الإيمان (5503)، والخطب في تاريخ بغداد: 3/ 358، وانظر علل ابن أبي حاتم: 1/ 304.
(¬4) البقرة: 229.
(¬5) رواه بهذا اللفظ الضّياء في الأحاديث المختارة (2080)، وهر في البخاريّ (5273) بلفظ: "اقبل الحديقةَ وطلِّقها تطليقةً".
(¬6) انظر أحكام القرآن: 1/ 195.
(¬7) وهو قوله في القديم كما نصّ المؤلِّف على ذلك في الأحكام: 1/ 195، وانظر الحاوي الكبير: 10/ 8 - 10، وخلافيات البيهقي: 4/ 193.

الصفحة 582