الدّارَقُطنىُّ وأبو بكر البغدادي (¬1) جُزءَينِ عظيمين، خَرَّجا فيهما هذا الحديث عن بضعة عشر من الصّحابة بأسانيدَ كثيرة، وقد رَوَى مسلمٌ (¬2) والأيِمّةُ (¬3) أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلم- "قَضَي باليّمِينِ معَ الشَّاهِدِ الْواحِدِ" وخرَّجَ التّرمذيّ (¬4): "يَمِينٌ وشاهِدٌ" وخَرَّجَ الدّارقطني (¬5) عن عليّ (¬6) أنّ رَجُلًا خاصَمَ عبد الله في حَقٍّ، فأَنكَرَ الزُّبَيْر، فَسأَلَ النّبيُّ -عليه السّلام- الزُّبَيْرَ البَيِّنَة عَلَى ما ادَّعاهُ، فَقالَ لَهُ: عِندِي في ذلِكَ سَمُرَة نجن جُندُب وَرجُلٌ آخَر، فَأَمَّا سَمُرَة فَلَم يَشهَد، وَأَما ذَلِكَ الرَّجُل الآخر فَشَهِدَ، فَحَلَّفَ النّبيُّ الزُّبَيرَ وأَثبَت حَقهُ.
الطريقة الثّالثة: وهي مَعنَوِيَّةٌ
قال علماؤنا: قال النّبيّ -صلّى الله عليه وسلم-: "لَو أُعطِيَ النَّاسُ بِدَعوَاهُم لادَّعَى قومٌ دِماءَ قومٍ وَأموالَهم، وَلكِنّ البَيِّنَة عَلَى مَنِ ادَّعَى واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنكَرَ" (¬7) والحكمةُ في ذلك بَيِّنَةٌ، فإنّ قولَ المتداعيين قد تعارضا وتَسَاوَيَا، وليس قبُول أحدِهما أَوْلَى من قبُولِ الآخر، فشرعَ اللهُ التَّرجيحَ، ولهذا قال علماؤنا: لا يكونُ الشّاهدُ واليمينُ إلّا في الأموال وما جَرَى مجراها؛ لأنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلم- إنّما قَضَى به فيها، ولم يَقوَ القوّةَ الّتي تُراقُ بها الدِّماءُ وتقامُ بها الحدودُ؛ فإنّ هذه معانٍ تسقُطُ بالشُّبهةِ، والشُّبهةُ بالشَّاهدِ واليمين قائمةٌ، فاقتُصِرَ بها على مَورِدِهَا وهي الأموال.
¬__________
(¬1) هو الخطيب البغدادي، وانظر موارد الخطيب لأكرم ضياء العمري: 80.
(¬2) الحديث (1712) عن ابن عبّاس، بلفظ: "قضى بيمين وشاهد".
(¬3) كأبي داود (3610)، وابن ماجه (2368)، وأبي يعلى (6683)، وابن حبّان (5073) وغيرهم.
(¬4) في جامعه (1343).
(¬5) في سننه: 4/ 212.
(¬6) وردت بالقبس جملة نرجّح أنّها سقطت من النّسخ المعتمدة، وهي: " ... عليّ وغيره بالشّاهد مع يمين الطّالب، وَرُوِيَ بالشّاهد مع يمين طالب الحق، وَرَوَوْا أنّ الزُّبير خاصم ... ".
(¬7) أخرجه البخاريّ (2514)، ومسلم (1711) من حديث ابن عبّاس.