كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 6)

وقد (¬1) ثبت في الصّحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَعْمَرَ أرْضًا لَيسَت لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" خرّجه البخاريُّ (¬2).
أمّا قوله: "لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" فهو حديثٌ صحيحٌ، ورَوَى أبو داود (¬3) نازلة تعضُدُه: أنّ رجلين اختصما إلى رسولِ الله -صلّى الله عليه وسلم-، فقال أحدُهما: إنَّ أرضي غَرَسَ هذا فيها نخلًا، فقضَى رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - لصاحبِ الأرضِ بأرضِهِ، وأمرَ صاحبَ النَّخْل أنّ يُخرِجَها منها. قال: فَلَقَدْ رَأَيتُها وإنّ أصُولَها لَتُضرَبُ بالفُئُوسِ حَتَّى أُخرِجَت عنها وهي نَخلٌ عُمٌّ.
الأصولُ والغريب (¬4):
اختلف النَّاسُ في هذا الحديث الّذي خرَّجه أبو داود، هل هو تَعَبُّدٌ أم مُعَلَّلٌ؟ فالّذين قالوا إنّه معلَّلٌ اختلفوا في تعليله:
فمنهم من قال: إنَّ العلَّةَ فيه الاشتراكُ بين الخَلقِ، كالماءِ والحطبِ والحشيشِ، فَتَخلُصُ بالإحياء للمُحيِي، كما تَخلُصُ بالاحتطابِ والاحتشاش والاصطياد والاستقاء، كلُّ ذلك لفاعله.
وقيل في تعليله: إنّما ذلك إلى الإمام يُخلِصُها لمن شاء، وليست كالماء والحشيش والحطب والصّيد؛ لأنّ ذلك ليس بثابتٍ ولا مُتَحَصَّلٍ. وقد رَوَى الدّارقطنىُّ أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلم- قال: "مَوَتَانُ الأَرْضِ (¬5) للهِ وَلرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُم مِنِّي أَيُّهَا المُسلِمُونَ" (¬6) وهذا
¬__________
(¬1) انظر القبس: 3/ 923 - 924.
(¬2) الحديث (2335).
(¬3) في سننه (3074 م) من حديث عروة عن أبيه.
(¬4) انظرهما في القبس: 3/ 924.
(¬5) يقول الخطابي في إصلاح غلط المحدِّثين: 156 "يعني الموات من الأرض، وفيه لغتان، يقال: مَوْتان -مفتوحة الميم ساكنة الواو-، ومَوَتَان -الميم والواو متحركتان-"، وانظر تصحيفات المحدِّثين للعسكريِّ: 247.
(¬6) لم نجده في سنن الدارقطني. وقد رواه البيهقي: 6/ 143 إلى قوله: "ولرسوله" وزاد بدل الباقي: "فمن أحيا منها شيئًا فهو له" من رواية طاوس عن ابن عبّاس، ثمّ قال: تفرد به معاوية بن هشام مرفوعًا موصولًا. قال ابن الملقن في البدر المنير: 2/ 109 "هو صدوق، وهو من رجال الصّحيح" وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: 3/ 62 "قوله في آخره: أيها المسلمون، مُدْرَجٌ ليس هو في شيءٍ من طرقه".

الصفحة 394