كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 1)
فَجَعَلَ هُوَ التَّرْكِيبَ دَلِيلًا عَلَى الْإِمْكَانِ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ جَعَلُوا دَلِيلَهُمْ هُوَ دَلِيلَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ بِقَوْلِهِ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [سُورَةِ الْأَنْعَامِ: 76] وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّ الْأُفُولَ هُوَ الْحَرَكَةُ، فَقَالَ ابْنُ سِينَا: (¬1) (قَالَ قَوْمٌ إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ الْمَحْسُوسَ مَوْجُودٌ لِذَاتِهِ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ لَكِنَّكَ إِذَا تَذَكَّرْتَ مَا قِيلَ (¬2) فِي شَرْطِ وَاجِبِ الْوُجُودِ لَمْ تَجِدْ هَذَا الْمَحْسُوسَ. وَاجِبًا، وَتَلَوْتَ (¬3) قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ، فَإِنَّ الْهُوِىَّ فِي حَظِيرَةِ الْإِمْكَانِ أُفُولٌ مَا.) .
وَيُرِيدُ بِالشَّرْطِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وَأَنَّ الْمُرَكَّبَ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْمُمْكِنُ آفِلٌ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ أُفُولٌ مَا (¬4) ، وَالْآفِلُ (¬5) عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا بِغَيْرِهِ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَسْتَدِلُّ بِإِمْكَانِ الْمُمْكِنَاتِ عَلَى الْوَاجِبِ، وَنَقُولُ: الْعَالَمُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَنَجْعَلُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} أَيْ (¬6) لَا أُحِبُّ الْمُمْكِنِينَ، وَإِنْ كَانَ الْمُمْكِنُ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِغَيْرِهِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا (¬7) لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ مِنْ بَابِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَإِنَّمَا الْأُفُولُ هُوَ الْمَغِيبُ (¬8) ، وَالِاحْتِجَابُ لَيْسَ هُوَ الْإِمْكَانَ، وَلَا الْحَرَكَةَ
¬_________
(¬1) الْمَرْجِعُ السَّابِقُ 3، 4/531 - 532.
(¬2) الْإِشَارَاتِ 3، 4/532: مَا قِيلَ لَكَ.
(¬3) ن: وَيَكُونُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(¬4) مَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(¬5) ن، م: وَالْأُفُولُ.
(¬6) أَيْ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(¬7) أَزَلِيًّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) وَمَكَانُهَا كَلِمَةُ " لِدَلِيلِ ".
(¬8) ب (فَقَطْ) : الْغَيْبُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
الصفحة 202