كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 1)
أَوْ بِغَيْرِهِ، فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ *) (¬1) يَكُونُ الْعِلْمُ بِامْتِنَاعِ عَدَمِهِ أَوْكَدَ وَأَوْكَدَ.
وَالْعَالَمُ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَا حَادِثَ فِيهِ، ثُمَّ حَدَثَ فِيهِ حَادِثٌ فَقَدْ غَيَّرَهُ مِنَ الْحَالِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْوَاجِبَةِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا إِلَى حَالٍ أُخْرَى تُخَالِفُهَا، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مُمْتَنَعٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ كَانَ مُمْتَنَعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَيْضًا: فَالْعَالَمُ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ عَنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ: الْحَرَكَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْعَالَمُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَتِلْكَ الْأَعْيَانُ لَا تَخْلُو عَنْ مُقَارَنَةِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّهَا لَوْ خَلَتْ عَنْهَا ثُمَّ قَارَنَتْهَا لَلَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا بَاطِلًا جَازَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ، فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْعَالَمِ إِلَّا جِسْمٌ أَوْ عَرَضٌ. وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُ الْجِسْمَ بِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَيُمْنَعُ (¬2) كَوْنُ كُلِّ جِسْمٍ مَرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ (¬3) أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ مِنَ الْإِشْكَالِ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهِ مَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا يَذْكُرُهُ مَنْ يُثْبِتُ الْعُقُولَ
¬_________
(¬1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(¬2) ا، ب: وَيُمْتَنَعُ.
(¬3) ا: الْمُنْفَرِدَةِ؛ ب: الْفَرْدَةِ.
الصفحة 330