كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 1)
مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الصُّوَرِ (¬1) النَّفْسَانِيَّةِ وَالْجُسْمَانِيَّةِ، فَعَنْهُ (¬2) تَفِيضُ الْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهُمْ عِنْدَهُمْ رَبُّ كُلِّ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ، لَكِنْ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا عِنْدَهُمْ، بَلْ فَيْضُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الِاسْتِعْدَادَاتِ وَالْقَوَابِلِ الَّتِي تَحْصُلُ بِحَرَكَاتِ (¬3) الْأَفْلَاكِ، وَتِلْكَ الْحَرَكَاتُ الَّتِي فَوْقَ فَلَكِ الْقَمَرِ لَيْسَتْ مِنْهُ بَلْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا الْعَقْلُ هُوَ رَبُّ الْبَشَرِ عِنْدَهُمْ (¬4) ، وَمِنْهُ يَفِيضُ الْوَحْيُ وَالْإِلْهَامُ، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ جِبْرِيلَ، وَقَدْ يَجْعَلُونَ جِبْرِيلَ مَا قَامَ بِنَفْسِ النَّبِيِّ مِنَ الصُّورَةِ الْخَيَالِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ (¬5) مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ فَيْضَ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِفَيْضِ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَفَيْضِ الشَّمْسِ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُفِيضَ هُنَا لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِالْفَيْضِ (¬6) ، بَلْ فَيْضُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا يُحْدِثُهُ غَيْرُهُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ وَالْقَبُولِ (¬7) ، وَإِحْدَاثُ غَيْرِهِ لَهُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ. فَأَمَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ فَهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّهُ (¬8) لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْفَيْضِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ فَيْضِهِ عَلَى فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ رَبُّ الْقَابِلِ وَالْمَقْبُولِ وَرَبُّ الْمُسْتَعِدِّ وَالْمُسْتَعَدِّ لَهُ، وَمِنْهُ الْإِعْدَادُ وَمِنْهُ الْإِمْدَادُ.
¬_________
(¬1) ا، ب: الصُّورَةُ.
(¬2) ا: فَفِيهِ؛ ب: فَمِنْهُ.
(¬3) ا، ب: بِحَرَكَةِ.
(¬4) ا، ب: عِنْدَهُمْ هُوَ رَبُّ الْبَشَرِ.
(¬5) كَلَامٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا) ، (ب) .
(¬6) ن، م: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا لَيْسَ مُسْتَقْبَلًا بِالْفَيْضِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(¬7) ن، م: مِنَ اسْتِعْدَادِ الْقَوَابِلِ.
(¬8) ا، ب: أَنْ.
الصفحة 342