كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 1)

بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ (¬1) فِي فِطَرِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمُ الَّتِي لَمْ تُغَيَّرْ (¬2) عَنْ فِطْرَتِهَا.
وَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ إِخْبَارِ الرُّسُلِ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَافِيًا فِي الْإِخْبَارِ بِحُدُوثِهِمَا، لَمْ يَحْتَاجُوا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا: خَلَقَهُمَا بَعْدَ (¬3) عَدَمِهِمَا، وَلَكِنْ أُخْبِرُوا (¬4) بِزَمَانِ خَلْقِهِمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [سُورَةُ يُونُسَ: 3] .
وَالْإِنْسَانُ لَمَّا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خُلِقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ذُكِّرَ بِذَلِكَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ عَلَى تَغْيِيرِ (¬5) الْعَادَةِ. وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى ذَلِكَ فِي خَلْقِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (¬6) ، وَفِي النَّشْأَةِ (¬7) الثَّانِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا - قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا - قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [سُورَةُ مَرْيَمَ: 7 - 9] ، [وَقَالَ تَعَالَى] : {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا - أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} ] (¬8) [سُورَةُ مَرْيَمَ: 66 - 67] .
فَذَكَّرَ الْإِنْسَانَ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ خَلَقَهُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؛ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَعَلَى مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهُ.
¬_________
(¬1) ب: الْمُتَنَافِيَيْنِ.
(¬2) ن، م: لَا تُغَيَّرُ.
(¬3) ن: عِنْدَ؛ م: عَبْدَ (وَهُوَ تَحْرِيفٌ) .
(¬4) ن، م: أَخْبَرَ.
(¬5) ن (فَقَطْ) : عَلَى قُدْرَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(¬6) عَلَيْهِ السَّلَامُ: زِيَادَةٌ فِي (ا) ، (ب) .
(¬7) ا، ب:. . . السَّلَامُ فِي النَّشْأَةِ. . .
(¬8) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

الصفحة 373