كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 2)
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُقَالُ: يُثِيبُ الطَّائِعَ لِئَلَّا يَكُونَ ظُلْمًا (¬1) .
[فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ مَقْدُورًا وَفُعِلَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِلَا ذَنْبٍ، كَمَا يُجَوِّزُونَ تَعْذِيبَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَجَانِينَهُمْ بِلَا ذَنْبٍ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقْطَعُ بِدُخُولِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ النَّارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ وَيَنْقُلُونَهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ خَطَّاءٌ عَلَى أَحْمَدَ، بَلْ نُصُوصُ أَحْمَدَ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُطَابَقَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ لِأَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُمْ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ فَأَجَابَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» ". فَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَحْمَدَ أَجَابَ بِحَدِيثٍ «رُوِيَ عَنْ خَدِيجَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: " إِنَّهُمْ فِي النَّارِ "، فَقَالَتْ: بِلَا عَمَلٍ؟ فَقَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ (¬2) ، وَمَنْ هُوَ دُونَ أَحْمَدَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَعْرِفُ هَذَا فَضْلًا عَنْ مِثْلِ أَحْمَدَ.
¬_________
(¬1) فِي (م) : يُثِيبُ الْمُطِيعَ. وَفِي (ب) (فَقَطْ) ظَالِمًا. وَبَعْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يُوجَدُ كَلَامٌ سَاقِطٌ مِنْ (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) وَيَنْتَهِي السَّقْطُ فِي ص 309.
(¬2) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيًّا عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَكِنِّي وَجَدْتُ حَدِيثًا قَرِيبًا مِنْهُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي 3/196 فِي شَرْحِهِ لِأَحَادِيثِ بَابِ " مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ " فَقَالَ: " وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ، فَسَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) قَالَ: هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَوْ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ. وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ". وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، ج [0 - 9] ، ق [0 - 9] ، ص [0 - 9] 00 - 101) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ وَأَوْرَدَ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِيهِ، وَكُلُّهَا عَلَى تَضْعِيفِهِ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ أَبُو مُعَاذٍ لَيْسَ يَسْوَى فَلْسًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ (فَتْحِ الْبَارِي 3/195) حَدِيثًا آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى: " وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فِي الْجَنَّةِ. وَعَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فِي النَّارِ. فَقَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ؟ قَالَ: رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ ". وَعَلَّقَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَا عَقِيلٍ مَوْلَى بُهَيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَجْرِيدِ التَّمْهِيدِ، ص 322، وَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: وَأَبُو عَقِيلٍ هَذَا صَاحِبُ بُهَيَّةَ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ". وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ فِي: الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، ج [0 - 9] ، ق [0 - 9] ، ص [0 - 9] 89 - 190 ; لِسَانِ الْمِيزَانِ 6/767. وَوُجِدْتُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 6/208 جُزْءًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي سَنَدِهِ: عَنْ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ بُهَيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ.
الصفحة 306