كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 2)

قَامَتْ بِهِ لَا مَنْ خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ وَأَحْدَثَهَا (¬1) ، وَلِهَذَا إِذَا خَلَقَ اللَّهُ حَرَكَةً وَعِلْمًا وَقُدْرَةً فِي مَحَلٍّ (¬2) كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ (¬3) هُوَ الْمُتَحَرِّكُ الْعَالِمُ الْقَادِرُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ صِفَاتٍ لِلَّهِ (¬4) بَلْ مَخْلُوقَاتٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مُتَّصِفًا بِمَخْلُوقَاتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ لَكَانَ إِذَا أَنْطَقَ الْجَامِدَاتِ، كَمَا قَالَ: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سُورَةُ سَبَأٍ: 10] . وَكَمَا قَالَ: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سُورَةُ النُّورِ: 24] ، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 21] وَكَمَا قَالَ: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سُورَةُ يس: 65] ; وَمِثْلُ تَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَسْبِيحِ الْحَصَى بِيَدِهِ، وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ وَهُمْ يَأْكُلُونَهُ، فَإِذَا كَانَ كَلَامُ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ كَلَامَ اللَّهِ فَإِنَّهُ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَاكَ كَلَامَ اللَّهِ. كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ كَلَّمَ بِهِ (¬5) مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ.
وَأَيْضًا،، فَإِذَا كَانَ الدَّلِيلُ قَدْ قَامَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَقْوَالِهِمْ، وَهُوَ الْمُنْطِقُ لِكُلِّ نَاطِقٍ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامَهُ، وَهَذَا قَالَتْهُ الْحُلُولِيَّةُ (¬6) مِنَ الْجَهْمِيَّةِ كَصَاحِبِ " الْفُصُوصِ " ابْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ:
¬_________
(¬1) ب، ا، ن، م: خَلَقَهَا وَفَعَلَهَا فِي غَيْرِهِ.
(¬2) ب، ا: فِي جِسْمٍ ; ن، م: وَجِسْمًا.
(¬3) ب، ا، ن، م: الْجِسْمُ.
(¬4) ب، ا: صِفَاتِ اللَّهِ.
(¬5) ب، ا: كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ.
(¬6) ب (فَقَطْ) : وَهَذَا مَا قَالَتْهُ.

الصفحة 372

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text