كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 2)
فَإِنَّ السَّفْسَطَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ هُوَ جَحْدُ الْحَقَائِقِ وَالْعِلْمِ بِهَا. وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ عَنِ الْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ: إِنَّهُ لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ، وَهَؤُلَاءِ مُتَنَاقِضُونَ، فَإِنَّهُمْ جَزَمُوا بِعَدَمِ الْجَزْمِ.
وَنَوْعٌ هُوَ قَوْلُ الْمُتَجَاهِلَةِ اللَّاأَدْرِيَّةِ الْوَاقِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا نَدْرِي هَلْ ثَمَّ حَقِيقَةٌ (¬1) وَعِلْمٌ أَمْ لَا. وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ وَلَا أَقُولُ: هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ مَعْدُومٌ أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ.
وَنَوْعٌ ثَالِثٌ قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْحَقَائِقَ تَتْبَعُ الْعَقَائِدَ.
فَالْأَوَّلُ نَافٍ لَهَا، وَالثَّانِي وَاقِفٌ فِيهَا، وَالثَّالِثُ يَجْعَلُهَا تَابِعَةً لِظُنُونِ (¬2) النَّاسِ.
وَقَدْ ذُكِرَ صِنْفٌ رَابِعٌ: وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّ الْعَالَمَ فِي سَيَلَانٍ فَلَا يُثْبِتُ لَهُ حَقِيقَةً. وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَوَّلِ لَكِنْ هَذَا يُوجِبُهُ قَوْلُهُمْ (¬3) .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ إِمْسَاكَ الْإِنْسَانِ عَنِ النَّقِيضَيْنِ لَا يَقْتَضِي رَفْعَهُمَا.
¬_________
(¬1) ع: هَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ.
(¬2) ن، م: لِطُرُقِ.
(¬3) ن، م: تَوْجِيهُ قَوْلِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ (الْفِصَلَ 1/9) عِنْدَ كَلَامِهِ عَنِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ: " ذَكَرَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُمْ ثَلَاثُ أَصْنَافٍ: فَصِنْفٌ مِنْهُمْ نَفَى الْحَقَائِقَ جُمْلَةً، وَصِنْفٌ شَكُّوا فِيهَا، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالُوا هِيَ حَقٌّ عِنْدَ مَنْ عِنْدَهُ حَقٌّ وَهِيَ بَاطِلٌ عِنْدَ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ ". وَيُقَسِّمُهُمُ الْجُرْجَانِيُّ (شَرْحَ الْمَوَاقِفِ لِلْإِيجِيِّ 1/117 - 118) إِلَى: اللَّاأَدْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ، وَالْعِنَادِيَّةِ وَهُمُ الَّذِينَ يُعَانِدُونَ وَيَدَّعُونَ بِأَنَّهُمْ جَازِمُونَ بِأَنْ لَا مَوْجُودَ أَصْلًا، وَالْعِنْدِيَّةِ وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ تَابِعَةٌ لِلِاعْتِقَادَاتِ ".
الصفحة 525