كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 3)

وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 80] إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 81] (¬1) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَلْقَ الْبُيُوتِ الْمَبْنِيَّةِ وَالسَّرَابِيلِ الْمَصْنُوعَةِ هُوَ كَخَلْقِ السُّفُنِ الْمَنْجُورَةِ (¬2) ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ (¬3) أَنَّ الْفُلْكَ صَنْعَةُ بَنِي آدَمَ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ خَلَقَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} .
وَأَيْضًا فَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ (¬4) وَأَنَّهُ هُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحْدِثُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 30] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 213] ، وَقَوْلِهِ: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 7] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْهِدَايَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، مِثْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَالتَّمْكِينِ (¬5) مِنَ الْفِعْلِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ، بَلْ أَرَادَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُؤْمِنُ.
¬_________
(¬1) فِي (ع) الْآيَاتُ كُلُّهَا مُتَّصِلَةٌ.
(¬2) ع: الْمَنْحُوتَةِ.
(¬3) اللَّهُ: لَيْسَتْ فِي (أ) ، (ب) .
(¬4) ذِكْرِ: زِيَادَةٌ فِي (ع) . تَفْصِيلِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الَّتِي بِقُلُوبِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ
(¬5) أ: وَالْمُتَمَكِّنِ، ب: وَالتَّمَكُّنِ.

الصفحة 262