كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 3)
وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِلْمُسَبَّبِ (¬1) أَيْضًا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ النَّارَ فِي الثَّوْبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ (¬2) مِنْ وُجُودِ الْحَرِيقِ عُقَيْبَ (¬3) ذَلِكَ، وَالْكُلُّ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا مُعَارَضَةُ ذَلِكَ (¬4) بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ (¬5) مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ يَقِينِيٌّ، وَالْيَقِينِيَّاتُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَعَارِضٌ يُبْطِلُهَا، وَقُدِّرَ أَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِالْمُوجَبِ بِالذَّاتِ، (¬6) فَهَذَا لَا يَنْقَطِعُ بِمَا ذَكَرْتُهُ، لَا سِيَّمَا وَعِنْدَهُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ الَّتِي تُعْلَمُ بِدُونِ السَّمْعِ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ جَوَابٍ عَقْلِيٍّ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قُدْرَةُ الرَّبِّ * (¬7) [لَا يَفْعَلُ بِهَا إِلَّا مَعَ وُجُودِ مَشِيئَتِهِ، فَإِنَّ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فَعَلَهُ.
قَالَ تَعَالَى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [سُورَةُ الْقِيَامَةِ: 4] .
وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 65] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قَالَ
¬_________
(¬1) ن، م: خَالِقُ الْمُسَبَّبِ.
(¬2) ن، م: فَلَا بُدَّ.
(¬3) أ، ب: عَقِبَ، ن، م: عِنْدَ.
(¬4) أ، ب: وَأَمَّا مُعَارَضَتُهُ.
(¬5) ن، م: عَنْ هَذَا.
(¬6) أ، ب: مَنْ يَقُولُ بِالذَّاتِ.
(¬7) بَعْدَ عِبَارَةِ قُدْرَةِ الرَّبِّ يُوجَدُ سَقْطٌ فِي نُسْخَتَيْ (ن) ، (م) .
الصفحة 270