كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 5)
يُشَاوِرْهُ ; فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " ثَلَاثًا. قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " (¬1) .
وَكَذَلِكَ بَيَانُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ غَلِطَ فِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقِلُ عَنْهُ الْعِلْمَ. وَكَذَلِكَ بَيَانُ مَنْ غَلِطَ فِي رَأْيٍ رَآهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ ; فَهَذَا إِذَا تَكَلَّمَ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَقَصَدَ النَّصِيحَةَ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُثِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِيهِ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَةٍ، فَهَذَا يَجِبُ بَيَانُ أَمْرِهِ لِلنَّاسِ، فَإِنَّ دَفْعَ شَرِّهِ عَنْهُمْ أَعْظَمُ مِنْ دَفْعِ شَرِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ.
وَحُكْمُ الْمُتَكَلِّمِ بِاجْتِهَادِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا، وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِاللِّسَانِ أَوِ الْيَدِ مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُ الصَّوَابَ مَعَهُ، وَقَدْ يَكُونَانِ جَمِيعًا مُخْطِئَيْنِ مَغْفُورًا لَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا نَظِيرَ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الصَّحَابَةِ.
وَلِهَذَا يُنْهَى عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ سَوَاءً كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ (¬2) ، فَإِذَا تَشَاجَرَ مُسْلِمَانِ فِي قَضِيَّةٍ، وَمَضَتْ وَلَا تَعَلُّقٌ لِلنَّاسِ بِهَا، وَلَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهَا، كَانَ كَلَامُهُمْ فِيهَا كَلَامًا (¬3) بِلَا عِلْمٍ وَلَا عَدْلٍ يَتَضَمَّنُ أَذَاهُمَا (¬4) بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ عَرَفُوا أَنَّهُمَا مُذْنِبَانِ أَوْ مُخْطِئَانِ، لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ
¬_________
(¬1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/528
(¬2) أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ: كَذَا فِي (ن) ، (م) ، (ر) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ.
(¬3) ن فَقَطْ: ذَكَرَ.
(¬4) ح، ب: أَذَاهُمْ.
الصفحة 146