كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 5)
وَيُشَابِهُهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الْمَاءُ الْآسِنُ، وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ الْمُنْتِنُ، وَيُشَابِهُهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَصْغَرِ الْحَمَأُ الْمَسْنُونُ، فَإِنَّهُ مِنْ سَنَّ، يُقَالُ: سَنَنْتُ الْحَجَرَ عَلَى الْحَجَرِ إِذَا حَكَكْتُهُ، وَالَّذِي يَسِيلُ بَيْنَهُمَا (¬1) سَنَنٌ (¬2) ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُنْتِنًا (¬3) . وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمَسْنُونُ الْمَصْبُوبُ عَلَى سِنَةِ الْوَجْهِ، أَوِ الْمَصْبُوبُ (¬4) الْمُفَرَّغُ، أَيْ أَبْدَعَ صُورَةَ الْإِنْسَانِ ; فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَنْ خُلِقَ مِنَ الْحَمَأِ (¬5) الْمَسْنُونِ، وَنَفْسُ الْحَمَأِ لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا صُورَةِ وَجْهٍ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْمُنْتِنُ.
فَقَوْلُهُ: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 15] ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَسَنَ يَأْسِنُ ; فَهَذَا مِنْ جِنْسِ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي السِّينِ وَالنُّونِ وَالنُّونِ (¬6) الْأُخْرَى، وَالْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ مُتَقَارِبَتَانِ فَإِنَّهُمَا حَرْفَا حَلْقٍ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ إِذَا اشْتَرَكَا فِي أَكْثَرِ الْحُرُوفِ وَتَفَاوَتَا فِي بَعْضِهَا، قِيلَ: أَحَدُهُمَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْآخَرِ، وَهُوَ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ، وَالْأَوْسَطُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْحُرُوفِ لَا فِي تَرْتِيبِهَا، كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ: الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ وَالِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ الْخَاصُّ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَقَوْلِكَ: عَلِمَ يَعْلَمُ فَهُوَ عَالَمٌ.
¬_________
(¬1) و: مِنْهُمَا.
(¬2) ب فَقَطْ: سِنِينٌ.
(¬3) أ: مَبْنِيًّا ر: سَنَنًا و: مَسْنِنًا.
(¬4) ن: وَالْمَصْبُوبُ، و: أَيِ الْمَصْبُوبُ.
(¬5) أ، ب، ن: الْحَمَّاءِ.
(¬6) وَالنُّونِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
الصفحة 192