كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 5)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى الصَّائِمِ الْأَكْلَ لِحَاجَتِهِ إِلَى تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَمَا يُحَرِّمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبِيدِهِ بَعْضَ مَالِهِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ حُصُولُ التَّقْوَى، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ فَقَدْ أَتَى بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَحَبَّةٌ وَرِضًا، فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ (¬1) عُقُوبَةَ التَّارِكِ.

وَالْحَسَنَاتُ الْمَقْبُولَةُ تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (¬2) : " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» " (¬3) وَلَوْ كَفَّرَ الْجَمِيعَ بِالْخَمْسِ (¬4) لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْجُمُعَةِ، لَكِنَّ التَّكْفِيرَ بِالْحَسَنَاتِ الْمَقْبُولَةِ. وَغَالِبُ النَّاسِ لَا يُكْتَبُ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بَعْضُهَا، فَيُكَفِّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي يَحْتَاجُ إِلَى تَكْفِيرٍ.
وَلِهَذَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّلَاةُ ; فَإِنْ أُكْمِلَتْ وَإِلَّا قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مَنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ (¬5) الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ (¬6) كَذَلِكَ» " (¬7) .
¬_________
(¬1) ب فَقَطْ: وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ.
(¬2) ن، م: فِي الصَّحِيحِ.
(¬3) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: مُسْلِمٍ 1/209 كِتَابُ الطَّهَارَةِ، بَابُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ 1/138 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ وَحَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(¬4) أ: بِالْجِنْسِ.
(¬5) و: كُمِّلَتْ بِهِ.
(¬6) أ: الْأَفْعَالِ، ح، ب: أَعْمَالِهِ.
(¬7) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1/258 - 259 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُهُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 1/317 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُتِمُّهَا صَاحِبُهَا، سُنَنَ النَّسَائِيِّ 1/187 - 189 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الْمُحَاسِبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ 1/458 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّنَّةِ فِيهَا، بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، الْمُسْنَدَ ط. الْمَعَارِفِ 15/19 - 26 وَقَالَ أَحْمَدُ شَاكِر رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى كَثِيرَةٍ.

الصفحة 198