كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 5)

وَالْعُلَمَاءُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يُصَلِّي حَالَ الْقِتَالِ وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ (¬1) ، وَتَأْخِيرُ الْخَنْدَقِ مَنْسُوخٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا. لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَخَّرَتْ (¬2) الصَّلَاةَ فَصَلَّوْا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا: لَمْ يُرِدْ مِنَّا إِلَّا الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْعَدُوِّ لَا تَفْوِيتَ (¬3) الصَّلَاةِ. فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (¬4) . وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقِيلَ: بَلْ يُؤَخِّرُونَهَا كَمَا فَعَلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَنْ أَخَّرَهَا تَأْخِيرًا يُعْذَرُ بِهِ إِمَّا لِنِسْيَانٍ أَوْ لِخَطَأٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ فَأَخَّرَهَا حَتَّى طَلَعَتْ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ بَاقٍ فَأَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتْ فَإِنَّ هَذَا يُصَلِّي.
وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مَا بَقِيَ تَأْخِيرُهَا جَائِزًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا، وَلَوْ أَخَّرَهَا بِاجْتِهَادِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ (¬5) ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ
¬_________
(¬1) الصَّلَاةَ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
(¬2) ب فَقَطْ: أَخَّرُوا.
(¬3) أ: وَلَا تَفُوتُ، م: لَا تُفَوَّتُ، ن: وَلَا تَفْوِيتَ.
(¬4) وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ قَلِيلٍ وَسَبَقَ فِيمَا مَضَى 3/411
(¬5) ح، ب: أَخْطَأَ بِاجْتِهَادِهِ.

الصفحة 214